الأحد، 10 مايو، 2015

هشام لاشين يحاور ابن صلاح ابو سيف في ذكري الإحتفال بمئويته


احداث «شباب إمرأة» الحقيقية وقعت لأبي في الشانزليزيه
لأنه خزانة أسرار والده المخرج الكبير الراحل صلاح ابو سيف والذي يحتفل بمئويته هذه الايام. ولأنه بدوره مخرج سينمائي عمل مساعدا مع والده في بعض الافلام ناهيك عن ذكريات الطفولة، ثم أخيرا قام بإخراج واحد من أحلام صلاح ابو سيف علي مدار أكثر من عشرين عاما وهو فيلم «مدرسة الجنس» والذي تحول علي يديه الي «النعامة والطاووس» بعد ان ظلت الرقابة ترفض السيناريو كل هذه السنوات. كان لنا هذا الحوار مع محمد ابو سيف الذي يكشف فيه الكثير من الكواليس والأسرار لهذا المخرج العظيم.
حدثنا عن حكايتك مع فيلم «النعامة والطاووس» !
- كان ابي رحمه الله يفكر في سلسلة من الأفلام التعليمية والتي تتناول مشاكل مصرية مختلفة والمفاهيم الخاطئة السائدة في هذا المجتمع. وكان معه إثنان من تلامذته في هذا الوقت وهما السيناريست محسن زايد والسيناريست لينين الرملي وكانا حديثي التخرج في معهد السينما وكلف كل منهما بكتابة موضوع مختلف حيث يكتب محسن زايد «حمام الملاطيلي» بينما يكتب لينين «مدرسة الجنس». والفيلم الثاني عن قصة لصلاح ابو سيف وكان يتابعهما اثناء مراحل الكتابة وقد حضرت معهم بعض هذه الجلسات في منزلنا بالزمالك وبعد انتهائهما من الكتابة تقدم للرقابة بالسيناريوهين وكان ذلك في عام 1971 واجازت الرقابة الفيلم الأول «حمام الملاطيلي» ورفضت التاني وكانت الرقيبة وقتها السيدة اعتدال ممتاز وكان الرفض باتا. وقام صلاح ابو سيف بالشكوي لكل الجهات التي من الممكن ان تتفهم ان الفيلم مفيد ومهم  دون جدوي، ومن ضمن هذه الجهات الأزهر وأطباء اجتماع وعلم نفس وظل الأمر كذلك حيث يتغير الرقباء وفي كل مرة هناك رفض.
- يضيف ابو سيف : البعض نصح ابي بتغيير إسم الفيلم فغيره فعلا لـ«تزوج وعش سعيدا» ثم غيره مرة ثالثة لـ«الزواج السعيد»وظل الرفض مستمرا حتي أعلن إعتزاله في أوائل التسعينيات، ليسألونه وقتها ما الذي يجعلك تعيد النظر في الإعتزال فقال إن يوافقوا علي مدرسة الجنس، وتوفي رحمه الله وهو يحلم بعمل الفيلم حتي تولي الدكتور مدكور ثابت الرقابة وكان احد تلامذة صلاح ابو سيف ووقتها كلف الرقيبة نبيلة صقر ان تحدثني ليبلغني بالموافقة بعد ان طلبت مني إرسال نسخة.. فقد كان يتابع المعركة وقتها ويعرف القصة، ولكنه استدعاني وقال لي هل تعدني بألا تقدم فيلما مبتذلا؟ فقلت له أعدك وبالفعل وقع بالموافقة ودخلت بعدها لأنفذ السيناريو الذي كتبه لينين الرملي وصلاح أبوسيف بالحرف.
- يستطرد ابو سيف: أخذت علي عاتقي مهمة الإنتاج وبعت ممتلكات لتنفيذ حلم ابي فقد صنعت هذا الفيلم بروح الوفاء وليس بسبب حماسي للموضوع نفسه رغم اقتناعي بالفكرة ومدي أهميتها وقررت أن اقدمه بوجوه جديدة كما كان هو يحلم وقتها بتقديمه بوجوه جديدة وهما محمود ياسين ونجلاء فتحي آنذاك، وفي مرحلة تالية الوجهان الجديدان أحمد زكي وليلي علوي ثم في مرحلة ثالثة الوجه الجديد يحي الفخراني وهكذا، وكانت الطبيبة في المراحل الثلاث ليلي طاهر. وعندما قدمت الفيلم التزمت بنفس فكرة الوجوه الجديدة لأن ذلك يلائم الموضوع اكثر ناهيك عن تقليل التكلفة الإنتاجية وهكذا قدمت فيلمي بمصطفي شعبان وبسمة ولبلبة التي رفضت تقاضي اي اجر بعد تحمسها للموضوع .. والطريف ان النقاد اتهموني انني كنت أغازل الرقابة لأنني لم أقدم التوابل المتوقعة في مثل هذا النوع من الأفلام  ورغم ذلك حقق نجاحا وعدة جوائز.
هل كان هذان المشروعان «الملاطيلي والجنس» فقط ضمن سلسلة الأفلام التوعوية لصلاح ابو سيف؟
_  كان هناك مشروع ثالث ونفذه بنفسه وهو فيلم «البداية» وكان يحاول به ان يطرح سؤال «ما هي الديمقراطية ». واذكر في بدايتي انه نصحني بقراءة السيناريو لأقدمه في اول أفلامي وقرأته ولم اتحمس له وتحمست لموضوع يشبهه هو «التفاحة والجمجمة» وقال لي «انت عبيط» وبعد إخراجه للفيلم أدركت انني كنت عبيطا فعلا ولكن اعتقد انني او غيري لم نكن لنري مارآه صلاح ابو سيف في هذا السيناريو قبل اخراجه فقد ولد علي يديه وشارك في كتابة السيناريو واشرف عليه مع لينين الرملي ولذلك ادرك قيمته.
هل تعتقد ان والدك كان ينوي اخراج «مدرسة الجنس» بطريقة أكثر جرأة ؟
_ لا أظن. فلو تابعت الجنس الذي قدمه في أفلامه الأخري ستجده متحفظا، كما في «شباب إمرأة» او حتي «الزوجة الثانية». فمحور العملين وموضوعهما هو الجنس وعندما قدم حمام الملاطيلي وقال النقاد وقتها انه فحش وجرأة غير متوقعة كان يركز علي قدم البطلة وفقط!
ماهي الذكريات السينمائية التي جمعتك بالاب صلاح ابو سيف ؟ وهل كان يأخذ رأيك في بعض افلامه؟
_  كل السيناريوهات التي كانت تأتي له كنت أقرأها منذ صغري، وكان لديه حجرة مكتبه ومكتبته لكنه لم يحب ان يكتب فيها او يقرأ وكان يجلس علي منضدة السفرة كما كان يستيقظ مبكرا، وقد تعلمت ما هو السيناريو من هذه القراءات وكانت أمي المونتيرة وفيقة أبو جبل وهي اول مونتيرة مصرية إمرأة وعندما انتقل ابي من شركة مصر للغزل والنسج إلي شركة مصر للسينما وكانت هي رئيسته وكلا الشركتين كانت لرائد الصناعة طلعت حرب ويبدو انها كانت ترهقه بالعمل فتزوجها ليتخلص من سطوتها وبعد ان انجبتنا أجلسها في المنزل .. وفي هذه الأجواء السينمائية تربيت.
- يكمل ابو سيف: كان أول فيلم اعمل معه فيه «حمام الملاطيلي» وكان إسمي علي التترات مساعد ثاني تحت التمرين وادركت وقتها مدي مشقة فترة التصوير فقد كنت مدللا حتي عملت في السينما وكنت اذهب معه للإستديو قبل ذلك مثل باقي إخوتي يوما في التصوير لكل منا، وقد أحببت هذا العالم من أبي ومن بكرات خام الفيلم التي كانت تملأ منزلنا من شغل أمي وكنا نلهو بها علي طريقة العاب الميكانو للأطفال، وكانت نزهتنا يوم الجمعة من كل إسبوع أن يأخذنا أبي الي سينما مترو وكنا نذهب في التاسعة صباحا لحضور حفل افلام الكارتون قبل الفيلم الرئيسي وكان لابد ان نرتدي أفخم مالدينا .. كان طقس دخول السينما ورائحة السللوليد او الفيلم الخام في منزلنا ثم وجودي في الإستديو مع ابي مصدر سعادة كبيرة وذكريات حلوة. ورغم انني الإبن الثاني بعد اخي أشرف إلا انني كنت أكثر قربا من ابي وكانت ميولي الفنية أكثرهم .
وماذا عن ذكرياتك السينمائية الأخري مع أفلامه؟
_  اذكر فيلم «سنة أولي حب» وكان انتاج حلمي رفلة واخراج صلاح ابو سيف وعاطف سالم وحلمي رفلة وطبعا انا اعمل مساعد مع الثلاثة كل منهم بمدرسته وفكره واسلوبه وطريقة ادارة مختلفة وقد اصبت بلخبطة حيث اسير علي ثلاثة حبال وكنت اتشاجر مع ابي نتيجة هذا التشتت والإختلاف .. كانت تجربة غريبة وخرج الفيلم فعلا بثلاث حالات مزاجية مختلفة، وكنت معترضا علي ذلك منذ البداية وسألت ابي ما الذي يجبركم علي ذلك خصوصا ان الفيلم عن قصة واحدة لمصطفي امين وليس ثلاث قصص كما يحدث في بعض الأفلام فقال لي «نوع من التجريب» ولما لا.. وكانت وجهة نظره منحازة فعلا لفكرة التجربة لكن اتضح بعد ذلك أنني كنت محقا خصوصا ان العمل خرج بثلاثة اساليب مختلفة رغم وحدة الموضوع وكان سببا في تشتيت المتلقي .. كما واجه الفيلم مشاكل تقنية في مرحلة المونتاج بسبب هذا التباين بين مدارس المخرجين المختلفة، لكن الدرس الايجابي في هذا الموضوع أن هذا الجيل كان من العظمة وعدم الأنانية بحيث يتعاون في عمل فني، وليس ذلك فحسب وأنما طلبوا من كمال الشيخ مونتاج هذا الفيلم وهو ماحدث فعلا.
ماهي الأفلام الأخري التي تتذكر مواقف خلالها مع صلاح ابو سيف؟
_  كان أول انتاج للفنانة نبيلة عبيد فيلم «وسقطت في بحر العسل» وكنت معترضا علي الفيلم برمته من وجهة نظر أن عالم إحسان عبد القدوس لم يعد ملائما لوقت عمل الفيلم وقال لي «انا حابب الرواية» وهو بالمناسبة لم يكن يتحدث كثيرا وقدم الفيلم، كما عملت معه فيلم «الكداب»، وكان ينصحني ان اعمل مع مخرجين غيره حتي أتعلم ولا أتقولب وكان محقا وبالفعل عملت مع عاطف سالم وسعيد مرزوق وحلمي رفلة وغيرهم.

كل أفلامك تقريبا لا تحمل رائحة صلاح ابو سيف ماهو سبب ذلك؟
_  بصراحة لم أرد ان أعيش في جلباب ابي كنت أريد اثبات ذاتي حتي لا يقال انه يقلد ابيه خصوصا وأنني أمثل جيلا ثانيا مختلفا وقد عملت بالإعلانات لفترة ولها إيقاعها المختلف. كما أنني تربيت بطريقة مختلفة وتعلمت باسلوب مختلف، حتي أسلوب التربية فقد تربي ابي بطريقة متزمتة جدا ونحن تربينا بطريقة متحررة جدا  وابي تعلم في المدارس الرسمية ولم يكمل وانا تعلمت في مدارس أجنبية وهو تربي في بيئة شعبية وانا تربيت في الزمالك، ومن المؤكد ان كل ذلك ساهم في تشكيل بيئة مختلفة وانعكس بالتالي علي افلامه او افلامي.
حدثنا عن رحلاتك مع أبيك وما استفدته منها سينمائيا؟
_  ابي كان يحب المشي جدا وكان حي الزمالك هادئا ويسمح بذلك وكنت أرافقه وكنا نسكن في ابو الفدا الذي يسكنه ايضا ام كلثوم وعبد الوهاب وكنت اقابلهما معه كما كنا نقابل فاتن حمامة واحمد مظهر واحمد رمزي كذلك هند رستم التي كانت تقطن بعدنا بعمارتين والمخرج حسام الدين مصطفي. واذكر يوم إلتقينا فيه بفاتن حمامة وقالت له «لأ ياصلاح.. الناس هتكرهني» كانت عصبية واندهشت بين نفسي كيف تجرأ ان تنفعل علي ابي بهذا الشكل ولايسبق نداءها له كلمة أستاذ ؟ وفوجئت بأبي يرد عليها قائلا لو كرهوكي تبقي نجحتي.. ويبدو انها شعرت بعبثية الإجابة مثلما شعرت أنا واكتشفت بعدما كبرت انها كانت تناقشه في دورها في فيلم«لا انام». واذكر يوم العرض الخاص للفيلم ان واحدا من الجمهور علق بصوت عال معلنا رفضه وكراهيته لشخصية فاتن في الفيلم وكانت فاتن تجلس بجواره بينما انا أجلس خلفه وسمعت حديثا دار بينهما قالت له فيه  تعليقا علي رأي احد الجمهور «مش قلتلك»وهنا رد عليها مرة أخري وكدة تبقي نجحتي.
- يواصل ابو سيف: واذكر في باريس حين أخذني معه وهناك اخذني الي منزل قريب من الشانزليزيه وقال لي هذا المنزل كنت اسكن فيه عندما كنت طالبا مبتعثا واضطر للبقاء هناك 6 أشهر بسبب قيام الحرب العالمية الثانية واخبرني أن القصة الأصلية لـ«شباب إمرأة» حدثت في هذا المكان معه وعندما عاد من هناك رواها للكاتب الكبير «أمين يوسف غراب» وكتبت خصيصا للسينما بعد تغيير الاجواء لتلائم الشاشة وبعدها بسنوات طويلة قدمها أمين يوسف غراب في رواية بنفس الاسم .. والملفت ان أبي خرج من حي بولاق الشعبي علي باريس ويبدو ان هذه النقلة الحضارية المفاجئة كانت سببا في مال حدث له خلال القصة الاصلية التي تشبه كثيرا ما قدم في الفيلم السينمائي لإمام البلتاجي .
هل كان يحدثك عن الحي الشعبي الذي تربي فيه وإنعكس في افلامه الواقعية؟

_  نعم  خصوصا واننا كنا لابد وان نذهب كل يوم خميس لعمتنا في حي بولاق الشعبي الذي تربي فيه أبي وكنا نبيت هناك كما كانت جدتي تعيش معنا وبالتالي فقد شاهدت جزءا من طفولته هناك علي الطبيعة، وهكذا شاهدت الحارة والأماكن التي كان يلهو بها وشاهدت بالتالي بائع الزبادي والطرشجي والسرجة والمقاهي واكتشفت اثناء سيري معه هناك ان الناس يحبونه جدا، وقابلت شخصيات حقيقية مثل عم لطفي الحلاق الذي كان يحلق لنا ونحن أطفال وقد نقل بعض هذه الأجواء والشخصيات في بعض أفلامه مثل فيلم «لك يوم ياظالم» الذي ترجمته امي عن رواية لإيميل زولا وشاركته الكتابة للسيناريو وأخرجه بعد تمصيره، وقد وجدت العديد من الشخصيات والاماكن الحقيقية في حي بولاق في الفيلم مثل شخصية «عبد الوارث عسر» الذي يجلس علي مقعد بصدارة الحارة ويتابع كل شاردة وواردة فهو نشرة أخبار الحارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق