الأحد، 21 يونيو، 2015

النفاق السياسي للسيسي خلف مسلسل حارة اليهود



(حارة اليهود) يخلط الأوراق في قصة حب مشبوهة
بقلم- هشام لاشين
لم تكن مفاجأة ان تعلن السفارة الإسرائيلية بمصر اشادتها بحلقات مسلسل "حارة اليهود"، مشيدة بتمثيل اليهود بطبيعتهم الإنسانية، "كبني آدم قبل كل شئ"،وان تعلن السفارة عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي، "فيس بوك"، إنها تبارك هذا العمل.
وسر عدم المفاجأة ان المسلسل يقدم بالفعل  ولأول مرة في الدراما المصرية صورة رومانسية مدهشة لشخصيات اسرة يهودية عاشت في مصر في حارة تحمل إسم (حارة اليهود) بجوار شارع الموسكى وتتبع حى الجمالية القديم ، ذلك الحى  الذي كان منقسما بطريقة «طائفية» على شياختين، واحدة لليهود «الربانيين»، وواحدة لليهود «القرائيين». وكان اليهود يعيشون فيه فى القرن الماضى، حيث تناقصت أعدادهم تدريجياً لأسباب مختلفة من حوالى 360 ألفا حتى وصلت لأقل من 20 يهوديا ،وكانت المنازل تتجاور مسلمين ومسيحيين ويهودا، وحتى الآن لا تزال بعض المنازل فى تلك الحارة تحمل نجمة داود السداسية بإعتبارها مثالا علي  التعايش بين جميع الأديان.

والمسلسل الذي كتبه دكتور مدحت العدل وأخرجه شقيقه محمد العدل توفرت له امكانيات انتاجية سخية لابراز الفترة التاريخية وتحديدا عام 1948 مع حشد جيد من الممثلين والممثلات ، واختيار الفترة التاريخية له دلالته الخاصة حيث انها مرحلة نهاية هذا التعايش بعد قيام الحرب واحتلال فلسطين من قبل العصابات الصهيونية وهي أيضا نهايات فترة احتلال مصر من الانجليز والتمهيد لحركة 23 يولية ووضعية اليهود وتأثرهم بالاحداث بعدها .
والمسلسل يقدم لنا اسرة يهودية متدينة  بحياتها الكاملة وطقوسها وصلواتها وأعيادها مع انصهارها وسط المجتمع المصري من مسلمين ومسيحيين وصولا لقصة حب رائعة طرفيها الفتاة اليهودية  (ليلي) والشاب المسلم علي الذي يعمل ضابطا بالجيش في هذه الفترة وسط غيرة وحقد فتاة مسلمة اخري هي (ابتهال) ابنة احد الفتوات بالمنطقة والتي تسعي طول الوقت لخطف علي من ليلي لأنها بدورها وقعت في هواه ، مع إستخدام حيل همجية عنيفة تتسق مع بيئة والدها الفتوة لتفريق الحبيبين وهو نفس ماتسعي له أسرة ليلي التي تري ان زواج يهودية بمسلم أمر مستحيل دينيا رغم ذلك الإنصهار والإنتماء للمجتمع المصري..وتتداخل التفاصيل والحكايات لتقدم لنا عرضا بانوراميا للمجتمع المصري في هذه الفترة والذي يغلي بحكم ظروفه السياسية من حيث الإحتلال من جهة وقيام حرب فلسطين من جهة اخري بما أفرزه من تداخل للجيوش العربية المحدودة والمفككة نسبيا مع الإشارة للاسلحة الفاسدة .
وفي نفس السياق نشاهد أرضية المجتمع المصري المشبع بصراع الفتوات من جهة والذي يقدمه موازيا لغارات الألمان علي مصر وكأن كلتاهما مترادفين لحقبة من القهر والذل حيث الإتاوات من الإنجليز ومن البلطجية في الداخل وغارات الحرب في الخارج ومقدمات الحرب الأخري في فلسطين .. فنري البلطجي (العسال) والد ابتهال  في لحظات الغارة الحربية علي مصر وهو يقود غارة اخري علي حواري المنطقة هو وعصابته .



واذا كان اختيار مسلسل عن اليهود في الوقت الحالي يثير تساؤلا حول اسباب إثارة ذلك الأن وهو مارد عليه مؤلف المسلسل قائلا: انه اراد توضيح أن مصر طوال الوقت كانت تقبل الآخر والمختلف عنها، وكانت ترفض فكرة الإقصاء لأى شخص أو فكر سليم، وسنجد نوعا من المقارنة بين ما كان عليه المجتمع قديما وما حدث حاليا من تغيرات فكرية طرأت على المجتمع المصرى وتوضيح إيجابيات وسلبيات كل حالة.
فإن هذا الرد يفتقر للكثير من الإقناعه لسبب بسيط وهو ان نفس المسلسل الذي يتحدث عن التعايش بين اليهود والمصريين يشير في نفس حلقاته الأولي ومن خلال حوار ساخر اثناء الغارة والنزول للمعبد بإعتباره الملاذ الأمن والمخبأ إلي ان كتائب الجهاد التابعة لحسن البنا وعدت بالذهاب للحرب ولم تفعل وهي معلومة مغلوطة حتي من الناحية التاريخية الموثقة حتي من أكثر خصوم الإخوان فمعروف ان موقف الإخوان من الجهاد في 1948 كان موقفا ايجابيا فقد شارك الإخوان المسلمون بقيادة أحمد عبد العزيز، من مصر والأردن وسوريا وفلسطين والعراق، ومن أبرز مجاهديهم الوزير الأردني كامل الشريف والشيخ محمد فرغلي وأبو الفتوح شوشة من مصر، والسوري مصطفى السباعي، والعراقي محمد محمود الصواف.
وقد استطاع حسن البنا بإعترافات جمال البنا ووثائق عديدة أن يجعل كل الجهود تتضافر لمواجهة هذا الخطر، فتقوم الجامعة العربية بفتح باب الجهاد لفلسطين وتصدر قرارا بإنشاء جيش إنقاذ فلسطين وجمع 50 مليون جنيه لدعم المقاومة ويدعو البنا لأن يصل أعداد المتطوعين إلى عشرة آلاف متطوع ليسرع الشعب المصرى بكل طوائفه للانضمام إلى الكفاح المسلح فى فلسطين ،وكان إن أول من تطوع هو حسن البنا نفسه .
ومعني كل ماسبق ان المسلسل يخلط الأوراق وبدلا من ان يذكرنا بالتعايش بين اليهود والمصريين من الأديان الأخري كان أولي به ان يذكرنا بالتعايش والوحدة الوطنية في معركة الدفاع عن أرض فلسطين (اخوان وحكومة ومسيحيين) في مواجهة أطماع اليهود !
ولكن مدحت العدل وحسب الموضة السائرة الأن فإنه يقول ان الإخوان ارادوا اختطاف ثورة 23 يوليو التي قامت بعد ذلك مثلما فعلوا في 25 يناير .. وهذه التصريحات يمكن ان تكون موقفا شخصيا ومن حقه لكن لايجوز المغالطة بها تاريخيا في مسلسل يدافع عن حق التعايش في مصر مع اليهود ويرفضه للإخوان المسلمون !!

ومرة أخري فإن إشادة إسرائيل بالمسلسل لها جوانب اخري يمكننا استخلاصها دراميا من العديد من المشاهد التي تم فيها تقديم الشخصية اليهودية في مواجهة الشخصيات المصرية الأخري من مسلمين او حتي مسيحيين ، فشخصية ابتهال ابنة البلطجي العسال مثلا ، شخصية سيئة الخلق وهمجية مثل أبيها في مواجهة شخصية رومانسية هي ليلي اليهودية التي تضطر للدفاع عن مريم المسيحية في مواجهة عنف ابتهال بل وتواجه خطة ابتهال لتشويه وجهها بماء النار ، كما ان ليلي ايضا مثقفة تقرأ لسارتر وسيمون دي بوفوار وهي شخصية جريئة وواثقة من نفسها ولها مواقف واضحة وشريفة في موقفها من احتلال فلسطين والتعدي علي حقوق الغير ،فهي بالفعل افضل شخصية في المسلسل وتكتسب تعاطفا وحبا من كل المتابع للعمل فهي (حبيب الروح) كما تقول كلمات عبد الوهاب وكما وصفها حبيبها البطل وهو يحتضنها
وعموما سوف نجد ان شخصية ليلي طوال المسلسل هي الشخصية الحقيقية الفاعلة وسط شخصيات همجية ومهزوزة او منحرفة وعالم من الفتوات والكباريهات والفقر الذي هو سمو واضحة في الحي وفي مصر كلها أنذاك .
كما سنتابع في المسلسل طقوس الذبح  اليهودية وسط كلمات توراتية من نوعية (لأن الدم هو الحياة) وكذلك طقوس الصلوات في المعبد اليهودي ويوم السبت والطعام والتدين وسط الشموع والهدوء وطقس رائع ولقيمات مغموسة يطعم بها هارون اهله .ز في مواجهة مشاهد اخري يبدو انها قادمة من خلال التترات عن عنف اخرون ينتمون لفصيل أخر من المجتمع المصري .
وقد نجح أخراج محمد العدل في تقديم طقس جيد للصورة والأجواء العامة للعمل بمساعدة تصوير وإضاءة مميزة كما شاهدنا قصة الحب بين علي وليلي التي تشبه قصص الحب الشهيرة التي ولدت في الحربين العالميتين الأولي والثانية في عشرات الكلاسيكيات والروايات والافلام  بمشاهد القطار واللقاءات السريعة المسروقة مع منحها نكهة محلية بمشاهد الحارة في الخلفية او الأهرامات ونزهة بالكارتة وغير ذلك بل هي اقتباس متعمد اخر لقيس وليلي ابناء العمومة اللذان جمعهما الحب وفرقهما الأهل كما المسلمين واليهود ابناء عمومة في أشارة واضحة لمدي الإنتهازية السياسية في هذا المسلسل ! .
كذلك اداء منة شلبي، إياد نصار، وريهام عبد الغفور، وهالة صدقي، وسيد رجب، وأحمد حاتم، ووليد فواز،وسامي العدل وكل الممثلين تقريبا كان جيدا .

ويبقي سؤال: هل كان اعتراف الرئيس السيسي انه ولد وتربي في حارة اليهود في اجواء من التسامح الديني خلف قيام صناع هذا العمل الذين ظهروا في مناسبات عديدة وهم يعلنون ولائهم له بل وبدا إستفادتهم منه بالظهور الإعلامي المستمر والمكثف طوال الفترة الماضية بل وعبر  اكثر من برنامج تلفزيوني لأل العدل خلف تقديم هذا المسلسل؟!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق