الاثنين، 23 مارس، 2015

عبد الرحمن الأبنودي .. شاعر السينما الملحمية




لم يكن عبد الرحمن الابنودي مجرد شاعر عامية حفر لنفسه اسما ومكانة بجوار اسماء مثل  فؤاد حداد وصلاح جاهين وسيد حجاب وفؤاد قاعود علي مدار مايقرب من نصف قرن تقريبا ، وغني له عمالقة كبار من امثال عبد الحليم حافظ وصباح وفايزة احمد ومحمد رشدي ونجاة ومحمد منير وعلي الحجار اروع الصور والكلمات، فعبر عشرون ديوانا شعريا ومجموعة من الافلام والمسلسلات كانت لغة الصورة السينمائية هي الطاغية طول الوقت علي مايكتبه الأبنودي فحتي دواوينه حملت اسماءا سينمائية من نوعية (وجوه على الشط، المشروع والممنوع، صمت الجرس، المدّ والجزر، الأحزان العادية، الموت على الأسفلت) وهذا الأخير كان بالفعل اسما لفيلم سينمائي ، وعادة مايلقي اشعاره بأداءا تمثيليا صادقا من القلب مما يؤثر في المتلقي ويشعره بالإندماج.
وأغنياته بدورها تحمل هذه الوميض الذي يشع حركة وصخب وضوء وحوار مؤثر وموحي في نفس الوقت ، مما يمكن معه اعتباره شاعر السينما الملحمية ربما لطغيان الإسلوب الملحمي علي الاعمال القليلة جدا التي كتب لها السيناريو والحوار او تلك التي كتب الاغنيات الدرامية لها مثل فيلم ( البرئ) الذي يناقش قضية قمع الحرية باستخدام جهل الأبرياء في كل زمان ومكان فاذا بالابنودي يستخدم كلمات أغنياته التي تبدو بمثابة المعلق علي الأحداث علي هذا النحو (زنزانتى لو أضيق..أنا من ورا السجان..ف العتمة بتشعلق..حتى على الدخان..وأغنى بدموعى..لضحكة الأوطان) ، وهو نوع من الحوار الدرامي المغني الذي يعد جزءا أصليا من نسيج الفيلم الذي يعتمد قالبا يقترب من الملحمي وهو يستعرض قضية الحرية .


أما فيلم (شيئ من الخوف ) والذي كتب له السيناريو والحوار الأبنودي فهو عملا ملحميا بكل إشارة وأيماءة ولمحة فيه.. إنه واحد من كلاسيكيات السينما المصرية الذي جاءت مشاركة الابنودي في كتابته بالإضافة لأغنياته مجرد صدفة وان كانت خير من ألف ميعاد فكما يروي الابنودي نفسه في حلقات نشرت له باليوم السابع انه كان فى زيارة لاستوديو النحاس، وفجأة وجد أمامه حسين كمال يقول له «أنت فين؟ أنا بادوّر عليك.. خُد السيناريو ده اعمل الأغانى بتاعته، بس أنا عايزه بصورة ملحمية مختلفة، ومعاك شادية ومعاك الكورال». أمسك الأبنودى الورق وقرأ السيناريو والحوار الذى كتبه صبرى عزت، لكنه شعر بحاسة الشاعر أن الفيلم بهذه الصورة سيخرج عاديا، قد يكون جيدا لكنه ليس ملحميا كما يريد حسين كمال، فقرر أن يعيد كتابته دون أن يأخذ رأى أحد أو يستشير أحدا، فقد كان يدرك أنه لو طلب ذلك من حسين كمال لقابله بالرفض، لأن كل شىء كان جاهزا لبدء التصوير خلال أيام قلائل. لكن الأبنودى الصعيدى نفذ ما فى رأسه فقط، ولم ينَم أربعة أيام متتالية إلا قليلا، وبدأ بالفعل يكتب مشاهد ويحذف أخرى حتى كتب الفيلم من بدايته حتى نهايته وفقا لرؤيته، ونقل الحوار من لهجته البحراوية إلى اللهجة الصعيدية، ومزج بين الأغانى والحوار) .


ومن المؤكد أن حوار هذا الفيلم يعد بالفعل واحدا من أهم وأمتع وأخلد ماكتب للسينما في قضايا الطغاة بالذات وفي تيمات القهر الشائعة ، حتي الاغاني من نوعية «أهوه أهوه بالضحكة ده بالخلقة ده مالى البلد دى الخوف» في صميم النسيج الدرامي الملحمي،  فلا توجد أغنية يمكن حذفها من الفيلم دون أن يتاثر السياق الإسلوبي للفيلم.  
ورغم اعتراض الأبنودي نفسه علي فيلم اخر مهم كتب له الحوار هو (الطوق والاسورة) عن رواية الأديب يحيى الطاهر عبدالله واخراج خيري بشارة  من زاوية ان المخرج استعان ببعض فرق التمثيل بالأقصر لتحفيظ الممثلين، وان لهجة الأقصر تختلف تماما عن تلك اللهجة التى كتبها الأبنودي، بل إنه يصر على أنه لم يفهم بعض الكلمات التى قيلت على لسان بعض الشخصيات رغم أنه كاتب الحوار الا أن هذا الفيلم يعتبر دليلا اخر علي ذلك الشعر السينمائي الذي يتسلل من بين ثنايا الحوار والذي يعد بدوره واحدا من اهم كلاسيكيات السينما المصرية والعربية ناهيك عن الملحمية التي اضفاها الأبنودي ولم تكن بهذا الشكل في الرواية الأصلية الأكثر واقعية.. فهناك نسيج اسطوري للحكاية الواقعية يختلف عن ذلك النسيج الموجود في (شيئ من الخوف) الاكثر ملحمية واقل أسطورية ليس لإختلاف اسلوب الإخراج بين مدرستي حسين كمال وخيري بشارة فحسب بل واختلاف مدرستي كاتبي الرواية من ثروت أباظة ليحي الطاهر وطبيعة الأحداث فقد كان الأبنودي هو الراعي المشترك الرسمي لجعل العملين أكثر تفردا وخلودا علي الشاشة بحواره المميز ولهجته الصعيدية المتباينة بين مكانين احدهما يقترب من وجه بحري اكثر والثاني مغرق في جنوب الصعيد الاكثر تعقيدا وأشد عنفا وسخونة داخلية.. والمدهش في العملين ان الأول كان السيناريو والحوار الاصلي لصبري عزت وهو من الاسماء العبقرية في تاريخ السينما المصرية كسيناريست ويكفي انه صاحب البوسطجي والثاني للدكتور يحي عزمي ورغم ذلك فقد طغي اسلوب الابنودي علي حوار الفيلمين .


ورغم ذلك كان الأبنودى يرى أن كتابة السيناريو والحوار ليست مهنته وأنه «مجرد ضيف»  الا انه دعي للمشاركة في تجربة ثالثة كتب لها السيناريو والحوار  وهي (اغنية الموت) عن قصة لتوفيق الحكيم اختارتها فاتن حمامة واسندت إخراجها لسعيد مرزوق في فيلم تليفزيونى، وكان اختيارها للأبنودي بعد ان شاهدت «شىء من الخوف». ورسم الابنودي سيناريو لمكان يشبه بيت جدته «ست أبوها» فى أبنود، الغرفة، السلم الطينى، السور المبنى بأزيار الماء المقلوبة، والملابس والوشم على الوجوه، وباب البيت ذو الضلفة الواحدة الذى يُصدر عند فتحه وإغلاقه أنينا يشبه أنين السواقى، ولم يقدر لهذا العمل ان يأخذ حظه من العرض حتي علي شاشة التلفزيون لكنه يظل واحدا من الأعمال المهمة في تاريخ الأبنودي وسعيد مرزوق وفاتن حمامة
وقد كتب الابنودي بعد ذلك بسنوات حوار مسلسل «وادى الملوك» المأخوذ عن قصة «يوم غائم فى البر الغربى» للأديب محمد المنسى قنديل، وكانت تجربة مجهدة لشاعر تعود علي الايقاع المتدفق والمكثف في الشعر والسينما لذا لم يكررها بعد ذلك


وفي تصوري ان الجهد التوثيقى الكبير والمهم للتراث الفلكلورى ، الذي تمثل فى عكوف الابنودي ما يقرب من ربع القرن على جمع وتدوين “السيرة الهلالية” من رواتها فى صعيد مصر وفى تونس ومدن المغرب العربى، ليصدرها كاملة فى خمسة أجزاء تتناول سيرة قبيلة بنى هلال ورحلتها من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الأراضى التونسية شمال القارة الإفريقية بمثابة ابداعا يستحق روايته سينمائيا أيضا ، فقد كان قدر إبن الصعيد شاعر الملاحم ان يكون أيضا حكاءا مشبعا بالتجربة والتفاصيل والدراما وهو ماسطره أيضا في مذكراته التي اسماها (ايامنا الحلوة) وتصلح بدورها لتحويلها للسينما.. فالملحمة والحكاية جزء من نشاة وتكوين عقل وروح الابنودي ، والسرد جزء حميمي من تكوين الخال كما يناديه كل من عرفه ولذلك كان يستحق ان يكون شاعر السينما والتجربة المشبعة بالشجن والإنسانية والملحمية .
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق