الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

بالفيديو: فيلم عساكر الجزيرة.. وقفص مبارك


بقلم- هشام لاشين
يمكنني القول بتجرد ان فيلم الجزيرة (العساكر) لمس أوجاع حقيقية بصورة تبدو متقنة ، ظاهرها توثيقي، ولكنها ليست كذلك في إسلوب أعداد الفيلم ذاته رغم وجود لقطات تسجيلية ، فهناك مزج للتمثيلي والحقيقي ، وهذا الشكل الدرامي موجود ومتعارف عليه واقرب للتعريف الإنجليزي للفيلم التسجيلي ، الذي يراه يعرض اي مظهر للحقيقة إما بوسائل التصوير المباشر، أو بإعادة بنائه بصدق .
ومن حيث المضمون هناك حقيقة واضحة وهي ان القهر لاينتج أسوياء، وقد اعجبتني جملة احد المتحدثين بأن الجندي مثل السوستة يجب ان تظل مشدودة طول الوقت وإلا ضربت في وجه من يمسك بها من الجنود الكبار، وهذا الامر ينطبق علي اسلوب الحياة في مصر عموما بما فيها الحياة المدنية ..فهو منهج لايستثني منه أحد دخل الجيش او لم يدخل ،  لذلك يعلق العديد من المصريين كرامتهم علي شماعة أكل العيش(وفترة وتعدي) .
اذكر ان حكاية شهيرة كانت تتردد ايام مبارك وقت الحديث عن التوريث وهي تشبه حكايات الفلاح الفصيح ،عندما جاء بأبنه وبقفص بداخله دجاج وطلب منه فتح باب القفص في ميدان رمسيس فخرج الدجاج وتبعثر ولم ينجح في جمعه مرة أخري ، ثم جاء مبارك بالقفص مرة اخري وقام برجه بعنف ثم فتح الباب فكلما خرجت دجاجة شعرت بالدوار فسقطت فاعاد إدخالها للقفص .. والحكاية تهدف لكشف دلالة عقلية الدكتاتور ، وكيف يفكر بخصوص السيطرة علي شعب يتم إشغاله طول الوقت بلقمة العيش والغلاء اليومي حتي لايفكر في الهروب من السجن المحكم ليتفرغ السادة لمص دماءه .
أن فيلم الجزيرة علي بساطة معالجته والضجة المفتعلة التي صاحبته إلا أنه مس وترا حقيقيا في إسلوب إدارة الجنرالات في هذا البلد من 1952، كما يحاول ان يضع خطا عريضا تحت تركيبة ضباط الصف المتطوعين (المخلاة) الذين يشعرون بالإهانة من الضباط الاكبر ومن مؤهلاتهم البسيطة ، ويفرغون عقدهم في العسكري البسيط الذي يمثل غالبية الشعب ، في حين لايجد الأخير من ينفث فيه مايتعرض له من إذلال، فيكون الشعور الشديد بالقهر، ناهيك عن التجاوزات مع جنود (السيكا) أو ماكانوا يعرفون زمان بعساكر المراسلة الذين يخدمون في منازل الضباط .. فهو فيلم عن شكل من أشكال التمايز الطبقي والإستغلال ، حيث يأكل السادة الضباط طعاما شهيا بينما يجبر الجنود البسطاء علي وضع للخلف در في وضع الثبات ، وبعدها مطلوب منهم تنظيف طاولة الطعام من بقايا السادة ، في مشهد يحمل قمة الإذلال واللامبالاة بالمشاعر.

وفيلم الجزيرة يختصر فكرة التسلسل الوظيفي في القوات المسلحة والتي يشوبها الكثير من الظلم والخنوع والسخرة أحيانا والتي تعتبر معادلا لنفس التسلسل في المجتمع المدني العريض تحت حكم العسكر، فعندما يتعود المواطن علي أن يفقد كرامته تحت وطأة القهر، والجوع ، وكشوف العذرية التي شاهدنا مثلها بالنسبة للرجال في إختبارات التجنيد ، أويتقبل المهانة بسبب عدم الوعي أحيانا وبحجة أنها (فترة وتعدي) فسوف يقتل ذلك فيه اشياء هامة كثيرة أهمها كبريائه وإعتزازه ، والأخطر إنتماءه ، وهي معادلة عبر عنها فيلم سينمائي أكثر نضجا هو فيلم (البرئ )الذي اخرجه عاطف الطيب في أوائل التسعينات وكتبه وحيد حامد ، لكنه لم يتهم بأنه خائن وعميل كما يتم إتهام الجزيرة وقطر، ففارق التوقيت والسياسة والمكان ، والغوغائية والمكارثية ، ومزايدات كلاب السلطة ، إنعكس علي كل ماكتب طوال الايام الماضية ورغم عدم عرض الفيلم ، وبمجرد برومو ظهر فيه أحد الجنود وهو يتلقي صفعة من زميله أو قائده علي قفاه ، وكم من المدنيين البسطاء يتلقون كل يوم عشرات الصفعات داخل أقسام الشرطة ، أو حتي من مسئولين عبر قرارات بالتشريد أو التجويع وهم يلهثون خلف لقمة العيش في مرحلة يتصورون انها فترة وتعدي ، رغم انها تزداد سوءا وتوحشا كل يوم !!
https://www.youtube.com/watch?v=ZZHlvHqwcIY

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق