الخميس، 27 نوفمبر، 2014

هشام لاشين يكتب عن شلاط تونس الذي منعه زين العابدين وصرحت به الثورة



  

قبل عرضه في القاهرة تم اختيار فيلم "شلاط تونس" للمشاركة في مهرجان كان 2014 بعد ترشيح من قبل جمعية الأفلام المستقلة للتوزيع إلى جانب ثمانية أفلام طويلة من مختلف أنحاء العالم لعرضه في قسم خاص بأفلام الجمعية ACID .. وتكمن اهمية هذا الفيلم في قالبه الذي يمزج بين الروائي والتسجيلي كما يطرح قضية الجسد والهوية داخل المجتمعات العربية المحافظة.
و يستند فيلم المخرجة كوثر بن هنية على أحداث واقعية حدثت في 2003 بالعاصمة التونسية عندما كان مجهولا يضرب أرداف النساء بآلة حادة، في غالب الأحيان شفرة حلاقة أو سكين، وهو على متن دراجة وذلك بسبب لباسهن "المغري". وبالرغم من أن الشلاط توقف منذ سنوات عن جرح النساء إلا أنه لم يغب تماما عن الأذهان، بل سكن فكر كل فتاة تتزين للخروج أو عائلة ابنة قصدت المدرسة، وكل غيور على حريته في التحرك وعلى حرمته الجسدية. وقد قامت المخرجة بتضفير هذا الشبح كما اطلق عليه في سياق الأحداث ببعض الأراء السياسية والدينية لشيوخ يتحدثن عن الحجاب وأهمية الحشمة للمرأة باسلوب يستدعي المتلقي لإتخاذ موقف مناهض لرجال الدين

وتحمل المخرجة الكاميرا لتتقمص دور مخرجة في رحلة البحث عن الشلاط وعمل  الكاستينج من الشباب  الذين يسعون إلى الفوز بدور البطل، فيقتحم شاب القاعة لوضع حد لهذه "المهزلة" ويؤكد بالوعد والوعيد بأنه هو الشلاط! فكانت رحلة متابعة الشلاط "جلال" والخوض في غمار حيه الشعبي بمختلف شخصياته وفي حياته الشخصية بفراغها الجنسي والعاطفي، والبحث عن ضحاياه. وكان المشهد كافيا للتعرف على شباب مهمش وجاهل يسعون إلى إيجاد مكانة في المجتمع حتي لو كانت العاطفة لاتعني بالنسبة لهم شيئا.. فالمهم هو إثبات الوجود وبأي ثمن.. وهي نظرة راقية لاتنحاز لموقف انوثي مثلا ضد كل ماهو ذكوري بغباء منتشر في نظرات متخلفة كثيرة لقضايا المجتمع علي العكس فكوثر تثبت هنا أنها محايدة وموضوعية وهي ترصد واحدة من اهم القضايا الإجتماعية فهذا الشعب المهمش هو من انتفض على الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وأطاح به في 2011. ومن أقوى صور الفيلم رجل يصطاد في مجرى مياه عكر في قلب حي سكني. المياه تحمل جثة كلب وواق ذكري والصياد "يقتل الوقت" أمام سيل عبثي من حياة راكدة عفنة لاسمك فيها ومن النماذج المهمشة التي تبحث عن نفسها تقدم لنا المخرجة شخصية الشاب الذي يسوق لعبة إلكترونية تتخذ من الشلاط بطلا، تخلق ديناميكية المرآة وتوسع حلقة التداخل بين الواقع والافتراض.
وهو يشبه إسلوب المخرجة في بناء الفيلم وشخصياته ..فالشرطي الذي يتلقى شكاوى الفتيات وراءه متحرش جنسي. والفتاة التي ادعت أنها تعرضت للاعتداء على يد الشلاط وراءها حيلة أرادت بها وشم جلدها الذي رفضه الزوج. ووراء غياب أب الشلاط أم تتكتم على كل ما يرتكبه ابنها وتحميه أكثر من اللازم، وزر ثقيل يمنعه من ربط علاقة سليمة مع فتيات عمره.

وكل ذلك في اطار البحث والتأمل وطرح الأسئلة للمتلقي الذي يجد نفسه امام عرض مثير يختلط فيه الواقعي بالإفتراضي في شكل سينمائي يمكن اعتباره ثوريا بالفعل خصوصا مع مسحة السخرية السوداء التي تحيط بغلالته وهو ماقالت عنه المخرجة انه إسلوب  شعوبنا العربية لمجابهة الأشياء القاتمة، فروح الدعابة هي إحدى طرق المقاومة، وتحطيم الأصنام الفكرية.. إنها حيلة الضعفاء وغير القادرين على المساهمة في التغيرات الكبرى .

كما تري المخرجة ان فكرة الشلاط وقعت في عدة بلدان عربية أخرى ففي  مصر كان اسمه سفاح المعادي، وفي المغرب كان اسمه مولى البكيالة، وكأنه مرض معدي يطفو على السطح من حين الى أخر في مدينة ما وجب أن تتوفر فيها بعض الظروف ليعود الشلاط من جديد.

وقد اتاحت الثورة التونسية للمخرجة- كما تقول-  فرصة الحصول على أرشيف القضية و فهم ما وقع فعليا في تلك الفترة كما أن الثورة سمحت لها بتصوير الفيلم برخصة تصوير رسمية من وزارة الثقافة. وكان التصريح السابق للثورة متاحا فقط بصورة سرية ودون دعم من وزارة الثقافة التونسية والتي تُعد المصدر الوحيد لتمويل الأفلام التونسية وهو مايكشف عن الوجه الإيجابي الأخر للثورة التونسية التي دعمت فيلما مناهضا للتخلف والرجعية ضد المرأة.ز وهو مالم يكن متاحا في عهد كان يمنع تعدد الزوجات والصلاة في المساجد يوم الجمعة..وهي مفارقة تحتاج للكثير من التأمل المنصف بعيدا عن اي كلاشيهات جاهزة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق