الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

(شحرورة السينما) رحلت في ليلة بكي فيها القمر

  




              
بقلم- هشام لاشين
منذ نزحت إلى القاهرة في منتصف أربعينيات القرن الماضي لتظهر على الشاشة الفضية في أول أفلامها «القلب له واحد/ بركات 1945» أمام أنور وجدي لتؤدي دور فتاة صغيرة، خفيفة الظل، مفعمة الروح بالبهجة والشقاوة، ظل هذا الإطار ملازما صباح لفترة طويلة... أدوار البنت الشقية المثيرة للإغراء حينا، النقية الطيبة العاشقة حينا آخر، كما قدمت شخصية الفتاة المغلوبة على أمرها بتجسيدها دور سندريللا، في أوبريت شهير باسم «فارس الأحلام» من فيلم «لحن حبي/ أحمد بدرخان 1953» أمام فريد الأطرش، الأمير الحزين الباحث عن أميرة أحلامه، وبمثل هذه الأدوار عقدت أواصر القبول والنجاح بينها وبين الجمهور.
ولم تبشر بداية صباح في فيلم «القلب له واحد» بنجاح كبير مستمر، كان صوتها غير ناضج وقدرتها على غناء الألحان المصرية محدودة وتكاد تكون عاجزة. لم تكن ملامحها التي ظهرت في الفيلم ملامح ممثلة جميلة أو مثيرة، كانت أشبه بملامح فتاة قروية، لا تستطيع الصمود في مدينة القاهرة ثم ما لبثت صباح أن صارت فتاة أحلام الشباب، وارتفعت أسهمها في مصر ولبنان وتوالت بطولاتها السينمائية بعد ذلك
تنويعات:
فبمجرد اكتشاف صباح في فيلمها الاول اتيح لها ان تظهر في ثلاثة افلام اخرى بالعام نفسه فقد ادت دورا بفيلم «اول الشهر» امام حسين صدقي احد كبار نجوم تلك الفترة ومن اخراج عبدالفتاح حسن، ثم في فيلم ثالث يحمل عنوان «هذا ما جناه أبي» الذي عاد مكتشفها بركات ليخرجه لها امام ممثل قدير هو زكي رستم، ويعد هذا الفيلم البداية الحقيقية لصباح في مجال السينما لسعة الدور وموضوعه الميلودرامي القوي والمحكم البناء اضافة الى لون الغناء الخفيف والمميز لهذه الفتاة الجذابة التي تتعرض لشتى انواع المآسي والمحملة بالمواعظ والدروس الاخلاقية البليغة ثم النهايات السعيدة لقصص الحب وجمع شمل العائلة وهو ما كان يشكل قبلة جمهور السينما السائدة الذي يغرق في احزان الآخرين وقصص حبهم وغنائهم وضحكاتهم.
ثم استطاعت صباح بعد ذلك القيام بادوار البطولة المطلقة ما بين مصر ولبنان فقد شكلت مع فريد الاطرش ثنائيا ناجحا في ثلاثة افلام هي «بلبل افندي» لحسين فوزي (1948) ثم «لحن حبي» لاحمد بدرخان (1953) وفيلم «ازاي انساك» لبدرخان ايضا (1956) مما مكنها ان تعرض جاذبيتها في افلامها التالية مع محمد فوزي الذي عمل الى جانبها في افلام «صباح الخير» لحسين فوزي (1947)، «الآنسة ماما» لحلمي رفلة و«الحب في خطر» و«فاعل خير» و«ثورة المدينة لرفلة ايضا وفي كلتا التجربتين كانت صباح تبدو في قمة تألقها سواء حين تغني بشكل فردي او ثنائي امام المطرب الذي تقف الى جانبه، فقد غنت ايضا من الحانهما واستطاعت ان تدخل معهما في تنافس باداء الادوار التمثيلية وكانت النتيجة لصالحها، لما تمتاز به من سمات الفتاة المتمردة، وخفة الظل، والفهم الخاص المتميز لقواعد الكوميديا الموسيقية.
الفيلم الغنائي:
نجحت صباح الإسهام في نهضة الفيلم الغنائي العربي في مصر، «وفي حقبة لاحقة في لبنان مع محمد سلمان ووديع الصافي ونصري شمس الدين» فإلى جانب مشاركتها فريد الأطرش أفلامه الغنائية، تقاسمت البطولة مع العديد من المطربين ذائعي الصيت آنذاك مثل: محمد فوزي «الآنسة ماما 1951 - الحب في خطر 1951 - فاعل خير 1953» وكلها من إخراج حلمي رفلة، وسعد عبد الوهاب «سيبوني أغني/ حسين فوزي 1950» حتى عبدالحليم حافظ في «شارع الحب».
لكن الأفلام الغنائية الثلاثة التي تقاسمت صباح بطولتها مع فريد الأطرش: «بلبل افندي، لحن حبي، ازاي انساك / أحمد بدرخان 1956» حققت خلالها حضورا فنيا ونجاحا مميزا على المستويين التمثيلي والغنائي.
تراجع الطرب:
ومن الملاحظ، أن صباح في طريقها للبحث عن مخرج من حصار «شخصية الفتاة الطيبة أو الشقية» بدأت مع عام 1954 سلسلة من الأفلام التي تنحو بأدائها منحى دراميا حيث يتصدر التمثيل أولوياتها الفنية ليتراجع دور الطرب والغناء قليلا، كما يقول احمد عنتر مصطفي بمجلة الكويت ومن هذه الأفلام: «يا ظالمني/ ثورة المدينة/ صحيفة السوابق/ دموع في الليل/ نهاية حب/ توبة/ الرباط المقدس» إلى جانب أفلام أخرى مثل: «سلم ع الحبايب/ العتبة الخضرا/ جوز مراتي/ الحب كدة/ الرجل الثاني/ مجرم في أجازة ».
وقد عملت صباح مع كبار المخرجين أمثال: هنري بركات، أحمد بدرخان، حسين فوزي، حلمي رفلة، حلمي حليم، عزالدين ذوالفقار، محمود ذوالفقار، حسن الصيفي، حسن الإمام.. وغيرهم. وقد أبرز كل منهم جوانب ممميزة في أدائها التمثيلي: «محمود ذوالفقار الأيدي الناعمة» و«حسن الصيفي/ خطف مراتي» و«عزالدين ذوالفقار/ شارع الحب » و«حسن الإمام/ وكر الملذات، إغراء» وكلها أدوار تحسب لصباح.
وقد تألقت صباح في افلام المخرج حسن الامام «وكر الملذات» (1957)، «اغراء» (1957) كما اكدت على طاقتها التمثيلية مجددا امام عبدالحليم حافظ في فيلم «شارع الحب» لعز الدين ذو الفقار (1958) وفيه مزجت بين بنت الاكابر الحسناء، الذكية، العاشقة وبين الفتاة الناضجة التي يغير الحب كثيرا منها وتصبح اكثر احساسا بالمسؤولية.
السينما اللبنانية:
مع منتصف الستينيات عادت صباح إلى لبنان وشاركت في ضخ الدماء في شرايين السينما اللبنانية، فشاركت في أفلام خفيفة الظل مثل «حبيبة الكل/ المليونيرة/ الصبا والجمال/ أهلا بالحب وعقد اللولو» مع مخرجي لبنان: يوسف معلوف ومحمد سلمان وغيرهما.. وغنّت في هذه الأفلام باللهجة اللبنانية التي أخلصت لها، حيث تشكل أغانيها بهذه اللهجة أكثر من ثلثي أعمالها الفنية، وفي هذه الفترة قدمت للمسرح الغنائي 27 عملا مسرحيا، استلهمت فيها الفولكلور اللبناني، نذكر منها: «موسم العز، دواليب الهوا، فينيقيا، القلعة، شهر العسل.. وغيرها» ولم يُنسها استغراقها في الدبكة اللبنانية أن تغني لمصر، التي شهدت ميلادها الفني، أغنيتها المشجية (سلموا لى على مصر)
ختام سينمائي:
في الثمانينات قررت ان تعود للسينما المصرية لتختم مشوارها السينمائي في فيلم غنائي اخرجه احمد يحيى باسم «ليلة بكى فيها القمر» ويتناول معاناة مطربة على الصعيد العاطفي وهو عمل مقتبس من الفيلم الاميركي المعنون «مولد نجمة» لمخرجه جورج كيكور، ومن خلاله عرفت صباح كيف تنسحب من العمل السينمائي في الوقت المناسب فكان مسك الختام الذي انهت به أخر ظهور لها علي شاشة السينما
يشار الي ان صباح خلال رحلة حياتها الفنية الطويلة قدمت تجربة إنتاج سينمائي وحيدة هي  فيلم معبد الحب في عام 1961 . . كما تم تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي  دورة عام 2004


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق