الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

سينما سعيد مرزوق بين الاسطورة والشاعرية!

بقلم- هشام لاشين
---------------------------------------
في سينما سعيد مرزوق يمكن ببساطة أن نتعلم من الصورة كيف تكون نظرة العين ملحمة، وإطراقة الرأس حكاية، كيف ينسج صمت الفنار وغموضه وصفير الريح خيوط الشك القاتل؟ فحيح الغريزة، تواطؤ الخرس، ، في فيلم «الخوف» الذى سقط للأسف من ذاكرة الفضائيات ولا يُعرض إلا نادراً، شاهد فيه كيف يتغلغل الخوف فى نظرات الممثلين، وإيقاع المشهد، وحركة الكاميرا، وركام العمارة التى تحت الإنشاء، وحارسها الذى ليس بحارس ولكنه إشعاع خوف متحرك، ومانشيتات الصحف الروتينية الباردة، حتى الجنس كان الخوف يسكن رعشته الحميمة!!
هكذا اشار خالد منتصر في إحدي مقالاته عن سعيد مرزوق وهو تحليل مميز لسينما هذا المخرج العبقري الذي لم يدرس السينما ورغم ذلك قدم لها 14 فيلما تسكن ذاكرة هذه السينما وتخلد جزءا مهما من تاريخه
حين ظهر في السينما بفيلم «زوجتي والكلب» كان ظاهرة كبيرة في التجديد في هذا الفن العظيم .. فهناك من بين المؤرخين والنقاد من يعتبر أن هذا الفيلم يشكل البداية الحقيقية لما يسمى «سينما المؤلف» في مصر، طالما ان سعيد مرزوق كتب له القصة والسيناريو والحوار قبل أن يقدم على اخراجه... بل إن علاقة هذا الفيلم بمفهوم سينما المؤلف تتعدى هذا، الى مسألة اختيار الممثلين، حيث نعرف اليوم أن سعيد مرزوق حتى وإن كان قد اختار لبطولة الفيلم نجمين راسخين ونجماً صاعداً بقوة، فإنه في فيلمه استخدمهم على عكس ما هو متوقع منهم على الشاشة.كما يقول ابراهيم العريس.. إذ تحولوا لديه الى أبطال - مضادين: محمود مرسي الذي كان اشتهر بأدائه الرائع وأدواره الهادئة كرجل محترم، صار في «زوجتي والكلب» نوعاً من عطيل معاصر يعيش هواجسه وأفكاره القاتلة. وسعاد حسني التي كانت اعتادت البطولات المطلقة، معيدة الى النجمة في السينما المصرية دورها المحوري في الفيلم، تحولت هنا - في «زوجتي والكلب» - الى موضوع، ومحور صراع مفترض، انما داخلي، بين محمود مرسي زوجها في الفيلم، ونور الشريف «عشيقها المفترض» في رأي الزوج. أما نور الشريف نفسه، فإنه - في نهاية الأمر - لم يعدُ في الفيلم ان يكون فكرة في رأس محمود مرسي، ومحركاً هواجسه وأفكاره. كان في الأمر مغامرة انتاجية غير مؤكدة النتائج، وكذلك مغامرة فنية لم تعتد عليها السينما المصرية. وكان المدهش أن الفيلم لم يفشل تجارياً ولا فنياً، كما كان مقدراً له، بل حقق نجاحاً على الصعيدين
وقد تلاه بفيلمه «الخوف عام 1972م الذي طرح مقارنات بين سعيد مرزوق والسينما الفرنسية ــ الموجة الجديدة ــ والسينما الإيطالية ــ الواقعية الجديدة.
ثم قدم الفيلم الاجتماعي «أريد حلا، عام 1975م» الذي التزم فيه بالبناء التقليدي للفيلم إلى حد كبير رغم أنه لم يفعل ذلك في الفيلمين السابقين وكان طليعيا في كل شيء في الفيلم من حركة الكاميرا إلى الضوء إلى المونتاج إلى الموسيقى .. وكان إدراكه لتقديمه قضية اجتماعية عن حقوق المرأة هو ما جعله يفعل ذلك وكان الفيلم صرخة وجدت صداها في المجتمع
وفي العام التالي 1976 قدم سعيد مرزوق أول فيلم عن الفساد الذي ضرب في البلاد بسبب السياسة الاقتصادية للسادات،إنه المذنبون المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ فقط كتب السيناريو وأخرجه سعيد مرزوق ... وقد برع مرزوق في تشريح مشاكل وازمات المجتمع المصري في منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي من خلال اسلوبية تشويقية تغوص في الواقع السياسي دون ان تسقط في فخاخ الاثارة البوليسية ..وأطلقوا عليه بعد هذا الفيلم مخرج الشغب السياسي وكانت الرقابة قد منعت الفيلم بحجة أنه يسيء لمصر..كان واضحا أن المسألة ليست في الجنس، على العكس كانت السينما أيضا تقدم مشاهد أكثر إثارة وقد تم رفع الفيلم من السينمات وأعيد بعد حذف مشاهد منه وتقريبا منع عرضه لكن الفيلم دق ناقوس الخطر مما يحدث في مصر وكان الأول والأشجع لأنه لم يكن عن عصر مضى لكن عن العصر نفسه .. ل
ولسعيد مرزوق أفلام كثيرة بعد ذلك. منها أيام الرعب الذي يخلط فيه الواقع بالإسطورة ويشير بدلالات الصورة والإضاءة لمشكلة نفسية تتفاقم في المجتمع بسبب العنف والثأر ..كان له إسلوبيته الاخراجية المتفردة واتسم ايقاع اعماله بخصوصية تستلهم روح الفيلم التسجيلي
وفي فيلم «انقاذ ما يمكن انقاذه» يسير في منحى مغاير لتجاربه الاولى الا أن الفيلم يكشف ويفضح سلبيات اجتماعية وسياسية وهو ما استعدى الكثير ضده وجعلوا من الفيلم ازمة كون مخرجه يوزع اتهاماته على مجمل حركات النشاط في الحياة السياسية ببلد مثل مصر.
أما فيلم المغتصبون.. فهو مأخوذ عن قصة واقعية هزت المجتمع والرأي العام وعرفت باسم فتاة المعادي وهو اغتصاب ستة أشخاص لفتاة أمام خطيبها.. وقد تناوله أكثر من فيلم.. لكن سعيد قدم الفيلم بلا سيناريو أو حوار.. ولكن بالاعتماد علي الحدث وردود أفعاله وقد حرص سعيد مرزوق علي أن يذهب إلي المكان الذي يعيش فيه هؤلاء المغتصبون.. ورأي علي الطبيعة كيف يعيشون حياتهم وأسلوب كلامهم.. ثم الفتاة المغتصبة وعائلتها وعملها وشخصيتها وحياتها الخاصة.. واذكر أنني حضرت تصوير هذا الفيلم وكانت اوراق المحاكمة ومحاضر الإستدلالات في يد سعيد مرزوق وكان ينقل منها الحوار الواقعي بصورة تمزج بين التسجيلي والروائي وهو إسلوب يقترب من التحقيق السينمائي لجأ اليه مرزوق بشكل واضح في هذا الفيلم
ثم يعود ليقدم الأفلام السياسية بأسلوب غير سياسي في فيلم هدي ومعالي الوزير وهو أيضا مأخوذ عن قصة حقيقية لامرأة تعمل بالبيزنس ونصبت علي الناس .. وقام الوزير بتهريبها إلي الخارج.
أما الفيلم الأخير الذي يقدمه في نفس هذه المرحلة فهو.. فيلم المرأة والساطور عن مشاكل المرأة التي تضطر إلي قتل زوجها.. ويعتمد فيه ايضا علي اسلوب التحقيق السينمائي
لقد صنع سعيد مرزوق عالما خاصا من السينما التي قدمها فمزج خلالها التجريب بالواقعية الاسطورية وخلق عوالمه وشخوصه عبر خيال فني مدهش فكان ولايزال واحدا من أهم أركان الفن السابع ليس في مصر وحدها ولكن علي مستوي العالم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق