الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

هشام لاشين يكتب عن داوود عبد السيد..شيطان الشاشة المسحورة !!

منذ فيلمه الأول ( الصعاليك ) وحتى آخر أفلامه ( مواطن ومخبر وحرامى ) وهناك شيئ مايشبه الإغواء في سينما ( داود عبد السيد ) .. فهو يجذبك الى داخل عالمه الغريب المخلوط بكل المتناقضات منذ اللحظة الأولى .. ويظل يسحبك على وجهك هائماً بعد أن يزين لك بضاعته الفكرية المصورة التى تشبه ( صندوق الدنيا ) أنها ملونة بألوان ( قوس قذح ) ومغلفة بورق السلوفان اللامع .. وعندما يتوقف شريط الصور المتحركة عن الدوران تشعر للحظات إنك قد خدعت او اغتويت ( من الغواية ) وعندما تفيق تكتشف ان كل شيئ قد انتهى وانك وقعت لا محالة فى شرك سينمائي محكم .. خلط صانعه الدجل بالواقع .. والسياسة بالخيال .. والميتاقيزيقيا بالفلسفة .. وفى النهاية يمنحك تفاحة .. تشبه تماماً تلك التى قطفها أدم ومعه حواء .. فهى معادل لحرية الاختيار التى قد تنزل بك لسابع ارض ولكن طعمها يظل فى فمك !! في فيلمه الثانى ( البحث عن سيد مرزوق ) نرى ( سيد مرزوق ) رمز السلطة التى ورثت كل شيئ .. النفوذ والمال وجهاز الامن وها هى تتلاعب بمصير الرعايا فى استخفاف منقطع .. أنه يستمتع بمشاعر الفقراء وهم يحصلون على بعض المنح البسيطة ، وهاهو يقتل مواطن غلبان ويلفق تهمة لأخر.. وتأمل رمز الامن وهو لا ينشغل بأى شيئ اخر سوى حماية رمز السلطة حتى لو ادى ذلك الى ظلم اخرين او العبث بمصائرهم .. ولنتأمل بالتحديد تلك اللحظة الفريدة التى يكتشف فيها يوسف البسيط انه يمكن ان يفك ( الكلابشات ) من يده بسهولة ، فى الوقت الذى تكون هى سر عذابه لرحلة طويلة .. فالحرية ممكنة . بيدنا وحدنا ولا يجب ان ننتظر منحها ثم لنتأمل يوسف نفسه رمز لغالبية البسطاء المسالمين .. الذين يكتفون بالمشي بجوار الحائط .. وحينما يقرر التمرد فهو لابفعل شيئاً لان المسدس الذي وجده بين أصابعه فشنك !! وسيمفونية القهر تستمر سواء اكانت فى اقتحام الشرطة للعالم الملائكى ( لسليمان ) وحضانة ابنته او فى هدير أقدامهم مع مشهد النهاية وهم يدقون الارض وخلفهم الكلاب البوليسية !! وحينما يقرر يوسف ان يهرب منهم فهو يسقط فى عربة القمامة .. وهو بذلك يفيقنا الى ان ثمن الحرية قد يكون ان نصبح كالنفايات التى تتعرض للحرق ولكن المهم ان نواجه مصائرنا فى النهاية بشجاعة !! وفى فيلمه ( مواطن ومخبر وحرامى ) مثله مثل معظم افلامه تتعدد مستويات الاغواء حيث ينتقد النظام ويهاجم المجتمع حتى يصل الى اخطر التابوهات وهى ( الدين ) ليتجول فيه بحرية وربما بنزق .. وهو يركز على صورة واحدة فى كل أفلامه وهى استخدام الدين فى السخرية وفى الدجل والنصب وتجارة المخدارت وصولاً الى القتل .. تأمل مثلاً صورة المشايخ الثلاثة المصابين بالعمى ( لاحظ العمى ) في فيلمه ( الكيت كات ) وتأمل تحديداً صورة المقري القبيح التي تتحول طريقة تلاوته لشكل من أشكال السخرية والكوميديا !! وفى فيلم ( البحث عن سيد مرزوق ) يأخذ شكلا الصدام الأمني بُعداً فلسفياً ومتيافيزيقيا حيث تصبح القوة الغاشمة والمسيطرة معادلا رمزياً غامضاً متجسد فى " سيد مرزوق " الذى يظهر ويختفى دون سبب ويتحكم فى مصائر العالم بصورة تفوق قدرات البشر !! انه معادل اخر لشخصية ( حمدي غيث ) فى ( ارض الخوف ) .. فظهوره محاطاً بذلك الطقس الروحانى والديكور الذي لا تخطئ العين ودلالته.. كذلك الجمل التى يستخدمها وحديثه عن الخير والشرثم ارتكابه جرائم القتل بحجة المصلحة العليا للعالم .. كل ذلك يجعله اكثر من مجرد تاجر مخدارات يحكم عالم الماقيا .. وهو اكثر من أب روحي يرتدى العباءة الإسلامية !! بل ان هذا الفيلم تحديداً يتضمن اكثر من مستوى للتتعامل خارج عالم المجرمين وتجار المخدرات والفاسدين " فهناك العالم الاوسع والارحب الذى تحكمه قوة بالخوف والقهر .. ويستخدم داوود اسماء الانبياء ليمنحهم لشخوصه بالكامل فى هذا الفيلم فى حين تصبح رسالة موسى هى مفتاح الغموض والسر الذى يضل طريق ليتغير مصير الكون !.. وعلى مستوى آخر نرى كيف يتفاءل بطل ( سارق الفرح ) بفضلات ( حمامة ) تقف على نافذة ضريح احد الأولياء الصالحين !! اما فيلم ( مخبر وحرامى ) فهو يقدم بداخله حوارات مباشرة على لسان الحرامى ( شريف المرجوشى ) وهو شخص جاهل يلعبه ( شعبان عبد الرحيم ) يتد فأعلى نار الكتب التى يتحدث عنها بإعتبارها تحتوى أفكارا شريرة تدعو للحرام ! هذا المرجوش يفسر افلام الأكشن على طريقة دينية مضحكة . وهو يناقش فى الاسلام ويفسره على هواه . وبنفس المنطق يحرق رواية المثقف ( خالد ابو النجا ) فى الفيلم .. انه نموذج للغوغاء عندما يتصدرون لتفسير الدين .. ولكن (داوود ) يصر مرة اخرى على مناقشة السلطة الاعلى باستخدام الدلالات بل والكلمات الواضحة عندما يقول المثقف ( مفيش سلطة كاملة .. السلطة المطلقة هى المثل الاعلى .. السلطة دائماً ناقصة ) بينما يتجه ببصره لأعلى .. وفى النهاية يقرر بوضوح (لازم الانسان يبقى هو سلطة نفسه ) واذا كان هذا موقف المخرج فى موضوع الدين والسلطة العليا الذى يمزجه بقدر كبير من الفلسفة التى يعشقها .. فان المستوى الاخر للسلطة (السياسة ) يشغل ( داودد ) بوضوح فاذا كان الحرامى شريف المجروش هو ( روح السجن ) كما يصغه الراوى او المعلق .. فإن المخبر (فتحى عبد الغفور) هو ( راجل متوازن ) هذا هو الشكل الخارجى للسلطة .. ولكن هذه الشخصية لاتلبث ان تكشف عن انيابها فى اكثر من مشهد ربما ابرزها مشهد استجواب ( حياه ) الذى يتحول لوصلة تلفيق وتعذيب مرعبة ونراه يطرح الاسئلة والاجابات .. فهو الخصم والحكم بل انه يفرض سيف الاتهام على المدعى نفسه مثلما يملى عليه كتابه العريضة بقلمه وخط يده .. ويصل الجبروت إلى ذروته عندما يقهر المواطن حتى لايتنازل عن اتهامه ليبرر استمراره فى العنف الذى يسبب له نشوى خاصة بينما هو مخمور .. فالمخبر هنا ليس الا رمزاً واضحاً من رموز السلطة الغاشمة . و ( فتحى عبد الغفور ) . ومنذ المشهد الاول يرسم له السيناريو هذه الصورة.. فهو يناور ويقتحم الاشخاص الذين راقبهم من قبل .. ويعرف بدقة نقاط ضعفهم ثم يفرض نفسه على عالمهم بعد ذلك قبل ان يعيد تشكلهم بوضعهم فى المواقف المختلفة للوصول الى ردود فعل معينة .. وهنا ما فعله تماماً مع ( سليم سيف الدين ) من اللحظة الاولى التى ذهبت فيها اليه الاخير للابلاغ عن سرقة سيارته الى ان يجد نفسه وقد اصبح متهماً فى جناية ( فقأعين ) الحرامى .. ووجه السلطة الغاشمة يمكنك ان تجد صداه فى افلام ( داوود ) الأخرى ! مثلا فى مشهد قسم الشرطة داخل ( سيد مرزوق ) عندما يتعرض المواطنون للإهانة والملاحقة .. وفى ( سارق الفرح ) و(ارض الخوف ) .. بل انه يصيغ حواراً ساخراً عن الشرطة التى فى خدمة الشعب. ويقدم وجهاً اخر لهذه السلطة فى الحوار الذى يدور بين ( سليم ) ورئيس المباحث ( احمد كمال ) الذى يقول فيه الأخير للأول ألا تعرف ان الضحك هو اكبر إخلال بالآمن .. وكذلك السخرية ) . وهذا هو الجانب المباشر لفكر رجل المباحث الذى يمثل بدوره السلطة .. وتطول الفلسفة هذا الحوار بعد ذلك لتشارك فى تشكيل النسيج العام .. حيث يرفض هذا الرجل نفسه ان يخلط النسيج الاجتماعى بين المثقف والحرامى الصعلوك .. وان كان يراها فى اطارها الطبيعى اذا كانت بين مخبر وحرامى ! فالمخبر لابد ان يصادق المجرمين .. ليعرف خباياهم ولكن كيف يخالط المتعلم الجهلة والهامشين ؟! منطق غريب وتناقض لا يفسره تناقض المخرج نفسه عندما يسخر من فساد هذا الاختلاط فى فيلمه بين (مواطن ومخبر وحرامي ) فهو يعتبره زواجاً فاسداً فى مجتمع فاسد وهو ما أشار إليه فى مؤتمر صحفى اقيم بعد الفيلم .. ورغم ذلك فهو يقول بحسم ووضوح (علينا الا نعيش فى حالة التعالى الطبقى ) وذلك فى سياق اجابته على سؤال حول اسباب اختياره ( لشعبان عبد الرحيم ) لبطولة فيلمه فأيهما نصدق .. تصريح داوود المنشور بعدم التعالى الطبقى ام تصريحه برفضه لهذة المصاهرة الفاسدة داخل الفيلم ؟! ومن المؤكد ان المخبر هو العمود الفقرى فى هذا الفيلم .. فهو الذى يربط الاحداث وبفرض صياغتها .. وهو الذى يساهم فى تطور العلاقة بين الطرفين الاخريين قبل ان ينضم لهما كشربك ثالث فى المسألة الاقتصادية بعد حصوله على ثروة غير معلومة المصدر تماماً مثل الحرامى وربما المثقف على نحو مختلف .. فهناك خلطة مقصودة فى الفيلم تحاول ان تعكس انقلاب الهرم حيث يختلط الشرفاء باللصوص ويرتدى الجميع اقنعة كثيرة .. فهذا الكرنقال لايختلف كثيراً عن الحفل التنكرى فى نفس الفيلم عندما يختلط الواقعى بالمزيف وتضيع الحقائق . ونأتى ( لتابو ) الجنس الذي تعامل معه المخرج بشكل حاد فى هذا الفيلم على وجه الخصوص عندما افرط فى تقديمه مثلما استخدام ( العري ) بذكاء وهو يقدم لقطة كاملة لبطلته من ظهرها بعد ان تخلع كل ملابسها فيما يشبة رقصات الاسترتيز وذلك فى إطار رهان متبادل بينها وبين البطل أثناء لعب ( الكوتشينة ) ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في نظرة داوود للمرأة فى معظم أفلامه .. فهو لا يراها سوى وعاء جنس فقط لإشباع نهم الرجل .. ولست اجد تفسيراً لهذه النظرة من يخرج يزعم تبنى الافكار التقدمية فى اعماله .. وفى (مواطن ومخبر) نموذجان لهذه المرأة .. الاولى ( حياة )التى تصبح معادلا للشهوة والانكسار والخداع .. والثانية ( رولا ) التى تعتبر اقرب للعاهرة . اما داوود فهو بالقطع صانع هذا العالم المفهم بالدهشة والتناقض والغموض وهو يدير عالمه بمهارة المواطن المثقف ، وبوعى المخبر المدربة عينه على الالتقاط والفرز .. انه مثل بطله ( فتحى عبد الغفور ) يحاول ان ( يبحث عن اجابة عن الاسئلة الغامضة ) ولكنه بالتأكيد ليس مثل ( شريف المرجوش ) الذى يسمع ام كلثوم ويعلق صور عبد الوهاب بينما يتدفأ على رماد الكتب .. انه مزيج من كل هذه الشخصيات التى بثها على مدار سبعة افلام روائية كاملة وهو نموذج لسينما تتمرد وتسبح فى الممنوع حتى وان استخدمت الرمز اسلوباً للتحايل والنقد العنيف .. الم اقل لكم انه صاحب سينما الاغواء ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق