السبت، 16 فبراير، 2013

مدكور.. الإنسان


بقلم/ هشام لاشين
مثل عشرات المعاني النبيلة والذكريات الرائعة رحل الصديق والمبدع والإنسان النبيل الدكتور مدكور ثابت.. عرفته منذ أكثر من خمسة عشرة عاما.. كتلة متوهجة من الحماس والإرادة والمواقف المتميزة.. كان قد تولي وقتها رئاسة المركز القومي للسينما وبدأت خيوط علاقة إنسانية يختلط فيها البحث والأكاديمية بالمشاعر والصداقة لتجمعنا اول رحلة إلي الشقيقة تونس خلال مهرجان قرطاج السينمائي الذي يقام كل عامين.. كان مدكور مهموما بنشرات الأخبار خارج مصر مثل همه الذي لاينقطع بالسينما والتجريب الذي يعتبر من رواده ومنظريه المحدودين وكان يشعر بغربة داخلية لايبددها إلا تجمع الاصدقاء وكان يفتح باب غرفته بالفندق الذي ننزل به طول الليل فنجتمع ونتسامر ونشاهد نشرات الأخبار عبر قناة الجزيرة لأري أمامي كتلة وطنية متحركة تندهش وتنفعل وتصرخ وتفند حتي تقترب ساعات الفجر فاتركه في سلام لينام.. وكان لدي الدكتور مدكور مشروع فيلم عن كتاب الفه بعنوان (تلج فوق صدور ساخنة) عن فترة وجوده في الجيش وموقفه من إسرائيل والصهيونية العالمية وظل يحلم بتنفيذ هذا الفيلم دون أن تتاح له الفرصة لذلك وكان ذلك جزءا مكملا من موقفه الوطني الذي ترعرع معه ومع جيله إبان هزيمة 67 .. وتواصلت العلاقة وتوطدت مع توليه جهاز الرقابة علي المصنفات الفنية كنت أبحث دائما عن فرصة تجمع الصديق بالإعلامي وإخترعت بابا عن كواليس الحياة في الرقابة ومشاكل بعض الافلام والأغنيات وكنت ألتقيه إسبوعيا لجمع مادة هذا الباب كما شاركت في ملفات السينما التي كان يشرف عليها بأكثر من دراسة ولازلت أذكرتلك الرحلة التي جمعتنا في جنوب تونس بمنطقة (فبلي) انا وهو والناقد الصديق سيد سعيد والزميلة الرائعة وفاء عوض نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون والتي كانت مناسبة لم تتكرر للإقتراب أكثر وأكثر من مدكور الإنسان الذي لايعرف قلبه إلا الحب.. كان رحمه الله بعد وفاة زوجته قد قرر التفرغ لتربية إبنه الجميل ثابت فمنحه إهتمامه وحبه وظل وحده يعاني من الغربة الداخلية والوحدة  رغم الاصدقاء والسهر لمتابعة نشرات الأخبار التي ظلت هي الباب الممتد لعلاقته بما يحدث خصوصا في الفترة الأخيرة بعد مرض نادر كان يصيبه بنسيان حروف الكتابة في نوع غريب من الزهايمر. واذكر انه حدثني تليفونيا وأنا في الإمارات منذ شهرين وكنت أنوي بمجرد العودة الإتصال به لشعوري بالتقصير خصوصا وأنه كان يسعي بكل جهده بمساعدة إبنه لجمع أرشيفه خصوصا وأنه هناك جزء منه كنت قد نشرته بمجلة نصف الدنيا ولكني عدت وإننشغلت.. ويبدو أنه كان يشعر بإقتراب المنية ويسعي بكل جهده لجمع أرشيفه الخاص وهو المشروع الذي أتمني أن يكتمل علي يد إبنه ثابت كما أنني علي إستعدداد تام للمشاركة في ذلك كأقل تقدير ووفاء لهذا الصديق والأكاديمي والباحث المتميز

ويعتبر ثابت من بين المبدعين القلائل الذين اقتحموا ميدان التجريب السينمائي منذ خمسة واربعين عاما لدى اخراجه فيلم عن احدى قصص نجيب محفوظ المعنونة (صورة) ..والى جوار جهوده في النقد والاخراج والتدريس كتب ثابت العديد من سيناريوهات الافلام بعد تخرجه من المعهد العالي للسينما وعمله معيداً وأستاذاً للإخراج بالمعهد، حيث جرى اختياره رئيسا للمركز القومي للسينما في الفترة بين 1993 ـ1999 ثم مديرا عاما للرقابة علي المصنفات الفنية من 1999 -2004، قبل ان يصبح في العام 2004 رئيسا لأكاديمية الفنون لغاية العام 2006.
المخرج ثابت صاحب بصمات كثيرة وواضحة في ميدان السينما التسجيلية حين قدم فيلمه المعنون (ثورة المكن) 1967 ومدته عشر دقائق لكنه احدث صدمة في اوساط جماليات الفيلم التسجيلي المصري ، مرورا بأفلام عديدة أحدثها (سحر ما فات من كنوز المرئيات) الذي تناول فيه عبر الثيقة الفيلمية جوانب من تاريخ مصر 2006 ، إلي جانب فيلمه التجريبي الرائد (حكاية الأصل والصورة) المأخوذ عن قصة (صورة) للاديب نجيب محفوظ العام 1969 وقبل وفاته كان يعمل على فيلم تسجيلي جديد تدور وقائعه عن ثورة 25 يناير المصرية .

وقد أمضى ثابت اواخر سنين حياته في عملية البحث عن نظريات الفيلم، وقد ضمن هذا الاطار سلسلة من الأبحاث السينمائية التي أصدرها ومنها كتاب (الكسر النسبي في الإيهام السينمائي) وفيه يتناول بشكل عميق أحدث النظريات الخاصة بطبيعة التأثير الدرامي للفن السينمائي حسب رؤية المفكر والكاتب والناقد الألماني برتولد بريخت.
 كما قدم كتاب (النظرية والإبداع في سيناريو وإخراج الفيلم السينمائي) ، (الفنان السينمائي)، (ألعاب الدراما السينمائية)، (كيف تكسر الإيهام في الأفلام)، و(فرضياتي لاكتشاف السينما المصرية) بالاضافة الى اصدارات مشروعه الرائد الطموح (ملفات السينما)، التي صدر عنها أزيد من سبعة عشر مؤلفا منها: (صحافة السينما)، (نشرات السينما)، (ايقاع ومونتاج الفيلم المصري)، (تاريخ التصوير السينمائي)، (كتابات الناقد سيد حسن جمعة)، (الكوميديا والغناء في السينما المصرية)، (صورة الأديان)، (مذكرات المخرج محمد كريم)، وغيرها
رحم الله مدكور ثابت واسكنه فسيح جناته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق