الثلاثاء، 13 يناير، 2015

Boyhood: اثنا عشر عامًا لا تصنع فيلمًا عظيمًا بالضرورة


فيلم Boyhood أحد أهم التجارب السينمائية في الألفية الجديدة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. استغرق تصوير الفيلم 45 يوما خلال 11 عاما تقريبا، من مايو 2002 إلى أغسطس 2013؛ ولأنه مخالف للقانون في الولايات المتحدة الأمريكية أن يوقع أي شخص على عقد يلزمه بمدة أطول من سبع سنوات، لم يتمكن أي شخص من طاقم الفيلم أن يوقع عقدا بالمدة الكاملة لعمله بالفيلم. كما كان مقررا في حالة وفاة مخرج الفيلمريتشارد لينكلاتر أن يتولى إكمال إخراج الفيلم من بعده إيثان هوك أحد أبطال الفيلم.
لينكلاتر وضع خطته الرئيسية لعمل الفيلم على أساس متابعة قصة صبي من سن الخامسة إلى سن 18 عاما حين يذهب إلى الجامعة، وذلك عن طريق عمل أفلام قصيرة تتراوح مدتها ما بين 10 إلى 15 دقيقة يلخص كل منها عاما واحدا من الاثنى عشر عاما التي هي عمر أحداث الفيلم، ثم تجميعها سويا لعمل فيلم روائي طويل.
كل ذلك جميل ورائع ومبشر جدا، كنا نعلمه ونتابعه وننتظر خروج الفيلم إلى النور بفارغ الصبر. مبدئيا أنا من محبي الثلاثية الرومانسية لنفس المخرج والشهيرة بثلاثية "Before"، لم أشاهد جزءها الأخير بعد، لكني أعتبر الجزأين الأول والثاني أفلاما عظيمة بلا شك. ولا أعتقد أن الجزء الثالث سيقل عن ذلك، خاصة وأن كل من شاهده يعتقد أنه أفضل أفلام السلسلة!
لذلك توقعت مع مشاهدتي لفيلم Boyhood أنني سأشاهد عملا يفوق الثلاثية عظمة إذا أضفنا تفرد وعبقرية التنفيذ والتجربة التي حظا بها الفيلم، لكن بعد مشاهدتي للفيلم وجدت أن الفيلم اقتصر على تفرد وعبقرية التنفيذ والتجربة فحسب، بل والمراهنة الكلية عليها ولا شيء آخر من العوامل السينمائية الأخرى.
ليس هناك حبكة واضحة للفيلم يمكنك أن تقبض عليها بيديك، لو سألني أحد عن ماهية قصة الفيلم أو حبكته أو عن ماذا يتحدث بالتحديد؟ الإجابة ستكون هي كما نعلم جميعا قبل مشاهدتنا للفيلم: 12 سنة من حياة صبي داخل أسرته. إذن فما الذي سيحدث لذلك الصبي؟ ما هي المعضلة التي سيقابلها خلال تقدمه في السن؟ الإجابة ببساطة ستكون: لا شيء.
إحقاقا للحق يمكننا أن نزيد على ذلك أن هناك صراع المراهقة الذي يواجهه أي فتى يتقدم في العمر حتى دخوله الجامعة، وكيف يتعامل مع التغيرات التي تحدث من حوله، سواء التغيرات الأسرية أو المكانية أو الاجتماعية.
الفيلم شبيه بشدة بعالم أفلام وودي آلان، لكنه فوت على نفسه شيئين مهمين من ذلك العالم، أولا هو أن يجعل الفيلم لا يزيد عن ساعة وأربعين دقيقة كمعظم أفلام وودي، وأن يُدخل على سيناريو الفيلم بعضا من الكوميديا السوداء.
أعتقد أن الفيلم لو كان مركزا في حدود 100 دقيقة، كان سينضبط إيقاعه أكثر بكثير عما خرج عليه. من وجهة نظري أن هذه النوعية من الأفلام لا تحتاج إلى ذلك الطول المبالغ فيه، خاصة وأن كاتب ومخرج الفيلم لم يكن لديه جديد ليقدمه خلال أحداث الفيلم، وضع كل مراهنته على التجربة كما ذكرت، رغم أنه كان لديه الفرصة لعمل فيلم عظيم فعلا مع استغلال تلك التجربة الفريدة الاستغلال الأمثل، وعمل سيناريو غني وقوي يليق بها بدلا من الاستغلال التجريدي للتجربة والفكرة دون إبداع! لا أدري لم فعل ذلك في الحقيقة؟!
لكي أغلق هذا الباب للأبد أسأل سؤالا جدليا، ما هو المميز في حياة الصبي (ميسون) لكي تخرج في فيلم سينمائي؟ الإجابة هي: لا شيء، لا شيء على الإطلاق. حياة عادية، بل أكثر من عادية في الواقع. يعني لا يمكن أن تحكي قصته لأي شخص ويقف ليسمعك بعد دقيقتين من بداية كلامك. دائما أصر على أنه ليست كل قصة يمكن أن تُنقل إلى السينما، هناك قصص لا تصلح لذلك ببساطة، ومنها قصة (ميسون) بالتأكيد.
التمثيل في الفيلم هو الشيء الأكثر تماسكا لو وضعنا في الحسبان المدة الزمنية التي تم التصوير فيها، شيء إعجازي فعلا أن يستطيع الممثلون المحافظة على شخصياتهم وتطورها خلال أحداث الفيلم وخلال سنين التصوير الطويلة بهذا التمكن وهذه الروعة، وتلك نقطة قوة تحسب لهم وللمخرج على حد سواء.
من ناحية أخرى هناك مشكلة في القفزات الزمنية في الفيلم، أجل كان ذلك مقصودا، لكنه لم يكن موفقا في كل مرة. هناك مشكلة أخرى تتمثل في تكرار الصراعات في أحداث الفيلم، أكثر من مرة تقوم الأسرة بتغيير مكان المعيشة، أكثر من مرة تقوم الأم بتغيير الزوج أو الصديق الحميم، ويبدو أن لينكلاتر لاحظ ذلك هو اﻵخر، لذا - كحيلة غير موفقة للتغيير - جعل مدير مطعم (ميسون) يعجب باﻷم في حفلة تخرجه من الثانوية، وينظر لها طوال الحفلة ثم لا تنشأ علاقة بينهما! أيضا هناك مشكلة في حوار الفيلم وهو أنه مباشر أحيانا، ليس من المعقول أن كل الشخصيات تقول على لسانها نفس الشيء الذي يريد المخرج قوله، ألا وهو: "عيش اللحظة"، كما كان هناك لهجة وعظية في بعض المشاهد بشكل مستهجن للغاية.
الفيلم حاز على تقدير النقاد بشكل كبير كأفضل فيلم في 2014، كما أنه الفيلم المفضل في 2014 لباراك أوباما والمخرج كريستوفر نولان، رغم أن الأخير له فيلم في نفس العام.
إجمالا الفيلم كناتج نهائي عمل صادق وحميمي لكنه يفتقر إلى عوامل العظمة السينمائية، أما التجربة نفسها فهي تستحق الإشادة والتقدير والتشجيع. نعم لترشيحه لأفضل فيلم في السنة، لكن لا لفوزه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق