الثلاثاء، 1 مايو، 2012

الحيثيات الفنية لتأييد الحكم بحبس عادل إمام


هل كان عادل إمام يزدري الأديان في أعماله الفنية حقا مما يستوجب تأييد الحكم عليه بالحبس؟ وهل أساء للإسلام في بعض هذه الأعمال من خلال سخريته المتكررة من نماذج ورموز إسلامية؟ وهل تعتبر السخرية من الرموز الدينية من الأسباب التي لاتستوجب الحكم بالحبس باعتبار أنها سخرية من أشخاص وليس سخرية من الدين ذاته؟ أم أن الهدف واحد في الحالتين مما يستوجب المساءلة؟؟ سنحاول الإجابة علي هذا السؤال هذه المرة ولكن ليس من منظور قانوني وإنما من منظور فني بحت يحاول قراءة أعمال عادل أمام أو بالأحرى معظم الأعمال التي تعلقت بموضوعات ذات طابع ديني أو وطني أو بمشاهد في أعمال له لم يكن هدفها سوي السخرية أو الازدراء بمعني التحقير أو بالبلدي (التريقة) مما يستوجب من حط شأن طائفة أو مجموعة أو أشخاص وهو التوصيف الأقرب في القانون لتهمة السب والقذف والذي يستوجب بالتأكيد المساءلة حيث أن جريمة الازدراء لاتختلف كثيرا عن السب والقذف من حيث التوصيف اللفظي في اللغة العربية.. فهل كانت بعض ألفاظ عادل إمام في العديد من أعماله ترقي لهذا الوصف؟!
حسن ومرقص ..عمارة يعقوبيان ..الواد محروس بتاع الوزير ..مرجان أحمد مرجان ..طيور الظلام ..الإرهاب والكباب والإرهابى، ومسرحيتى الزعيم وشاهد ما شفش حاجة».. هذه بعض نماذج من الأعمال التي استند إليها رافع الدعوي التي حكم بسببها علي عادل إمام بالسجن ثلاثة أشهر.. ولو توقفنا أمام بعض هذه الأعمال سنجد أنها قد حرصت علي الربط بين صورة المسلم وبين العنف والتواكل والانحلال بأساليب مختلفة وكأن هذه النماذج هي المعبرة عن صورة الإسلام كدين لايختلف اثنان علي سماحته ودعوته للعمل والأخلاق الحميدة..
الإرهابي:
فالمسلم في فيلم (الإرهابي) مثلا  والذي انتج عام 1994 من تأليف الكاتب اليساري لينين الرملي وإخراج نادر جلال ينضم إلي الجماعات المتطرفة الإرهابية ليدمر كل المظاهر التي يعتقد أنها مصدر الفساد في البلد مثل محلات بيع الفيديو وقتل السائحين الأجانب.. وهو هنا مثل مسلمين آخرين يظهرون كالحي الوجه يرتدون  زياً موحداً, ويعيشون في أماكن مهجورة تخيّم عليها الكآبة وروح الشر، وتسيّر هذه المجموعات من قبل أمير لها, له عليهم حق الطاعة العمياء. فيشعر المشاهد كأنه أمام عصابة من الحشاشين ومهربي المخدرات, وحرص الكاتب أن يُطلع المشاهد على نفسية المتدين الذي أخذ في هذا الفيلم شكل الإرهابي, فأظهره وعينه شاردة وراء النساء، والمرأة الجميلة التي يراها في الشارع تطارده في منامه
 ليحلم بمعاشرتها في الفراش.. بمعنى أن المتدين يعيش حالة كبت جنسي تلازمه .. وعندما يفكر في الاعتداء علي ابنة الأسرة التي يعيش عندها بسبب أنها تجلس أمامه نصف عارية تتهمه بالتخلف وكأن ماتفعله البطلة التي تجلس معه بمفردها وفي هذا الوضع هو التحضر بعينه لكن عندما تتحرك الشهوة في نفس البطل في تلك اللحظة يصبح مسلما متخلفا.. وهذه مجرد صورة من العديد من المشاهد داخل فيلم الإرهابي للمتدين.. وفي فيلم أخر مثل (الكباب والإرهاب) للكاتب وحيد حامد سنلمح الصورة المتكررة في أعماله للمتدين المسلم حيث سنري موظف المجمع الذي يهرب من العمل بالصلاة مع أن العمل عبادة في عرف الإسلام الحقيقي بينما يترك أعمال الناس ويهدر أدميتهم إذا طالبوا بحقهم .. الطريف هنا أن الروتين والفساد الذي يضغط علي البطل وهو هنا عادل إمام يحوله إلي إرهابي يتخذ من رواد المجمع رهائن ويبدأ في تفجير الأنابيب.. ولكنه في عرف المؤلف والمخرج والممثل يمتلك أسبابا وجيهة لذلك ولكن عندما تستدير الدفة لاتجاه المتدين المقهور كما في الإرهابي فلابد من السخرية والإدانة وهو نوع من الكيل بمكيالين كرره المؤلف ذاته (وحيد حامد) في أعماله مع عادل إمام وغيره .. ففي (طيور الظلام) والذي أخرجه شريف عرفة عام 1995 أي العام التالي مباشرة لفيلم الإرهابي سوف نري صورة المسلم بنفس اللحية والانتهازية السياسية وهو يعقد مقارنة بينها وبين الفاسدين ممن يحكمون مصر وينتهي الفيلم بالتأكيد علي أن نهاية الوطن سيتقاسمها الفاسدين والمتدينين .. وربما تكون نبوءة هذا الفيلم اقرب للواقع الذي نعيشه حاليا .. لكن تظل صورة المتدين أقرب للانتهازية التي تلعب علي ظاهر يخالف الباطن وهو مايعتبر شكلا من أشكال الإدانة والازدراء والتخويف من أصحاب المظاهر الدينية.
تراكم:
وفي فيلم (مورجان أحمد مورجان) سنجد عادل إمام يسخر كما في عشرات الأعمال الأخرى من اللغة العربية علي طريقة مجموعة الأفلام القليلة عن صدر الإسلام وظهور الإسلام وغيرها كما يتهكم علي الشخصيات وطريقة حوارها المنقولة عبر الأحاديث المتواردة بهدف الحط من شأنها ومن الفترة التاريخية كلها علي طريقة (ياابن أبي بلتعة) وعن البهبهاني يقول وغير ذلك من العبارات ..كما يظهر المتدينون في الجامعة وكأنهم لايختلفون عن المنحلين حيث ينتشر الزواج العرفي باسم الدين فهو شكل أخر ( للأنتمة) حسب سياق الفيلم فالمسلمين المتدينين مثل المسلمات يمارسن العلاقات الأقرب للفحش الجمعي تحت ستار الدين وطبعا يفر منهم الاخ مورجان بل وينحاز أكثر لمجموعات (كبر الجي وروق الدي) حيث المخدرات والهلس الجماعي الأكثر فتنة وإغراء ومتعة!! وفي تصوري أن التراكم في السخرية خلال معظم أعمال عادل إمام من أسلوب وشخصية المتدين خلق مايمكن اعتباره تيارا وموقفا واضحا وعدائيا من هذه الأنماط أو الشرائح بما يؤكد سوء النية وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي في تأييد المحكمة لحبس عادل إمام.. فنحن لسنا بصدد عملا عابرا أو عملين وإنما هناك إصرارا لتكريس موقف يدفع للازدراء والاحتقار والريبة من شخصية المتدين في المجتمع المصري فقد تكرر ذلك الأسلوب أيضا في ( حسن ومرقص) والذي تتجاوز السخرية فيه الرمز المسلم للرمز المسيحي أيضا وهو مادعم توصيف الاتهام (بازدراء الأديان)..وفي هذا الفيلم يلعب أمن حبيب العادلي دور البطولة في حماية ( الشيخ والقس) وتهريبهما مع أن الأيام قد كشفت أن نفس هذا الأمن كان هو السبب في إثارة الفتن بين طوائف الوطن الواحد.. وهو اتجاه كان سائدا في أفلام عادل إمام مما يؤكد أنه كان يتبني موقف الدولة من التيار الديني بدعم بعضه معروف والأخر لم يعرف بعد..  وقد وصل الأمر بعد تفجيرات كنيسة القديسين والتي تدور الشبهات حول ضلوع حبيب العدلي نفسه فيها إلي قيام عادل إمام بالدعوة  لعدم اتهام إسرائيل بتنفيذ تفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية ويؤكد علي لسانه في كل المواقع الإلكترونية أن وراء التفجيرات مسلم سلفي ومتطرف!! وكأنه مبرمج علي هذا الموقف أو يلعب دورا مطلوبا منه بإحكام في هذا الاتجاه ..ومن نفس المنظور بإمكاننا أن نري أعمال من نوعية (الزعيم وشاهد ماشفش حاجة والواد سيد الشغال) وهذا الأخير يلعب فيه عادل إمام دور المحلل ليسخر من الإسلام عن سوء فهم أو قصد نظرا لأن موضوع المحلل ليس بهذا الشكل الذي تعاملت معه السينما عموما في العديد من الأعمال.. فالقصد هو محاولة إدانة الشريعة مما هي بريئة منه.. وقد سخر عادل إمام أكثر من مرة وفي أكثر من حديث من خلال التمسك (بحتي تذوق عسيلته) يقصد المرأة حين تتزوج بما يسمونه (محلل) وهو تعبير غير موجود أصلا في الشريعة الإسلامية وإنما تبنته الأعمال الفنية المصرية وصنعت منه العديد من الأعمال بقصد الكوميديا..ولكن يبقي موقف عادل إمام العدائي من المتدينين ملمحا واضحا ليس في أعماله فحسب وإنما في مواقفه النادرة من الحديث في السياسة كما فعل أثناء مجزرة غزة حين حمّل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مسؤولية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ومقتل المدنيين فيها، وسخر من المظاهرات التي تجوب أرجاء العالم منددة بالهجوم ومناصرة لأهالي غزة.. كما ظهر في برنامج تلفزيوني ليسخر من النصر "الذي يتشدق به قادة حزب الله على إسرائيل (علي حد تعبيره).. فموقف عادل إمام السياسي لايظهر بوضوح إلا عندما يتعلق الأمر بشيئين.. إرهاب إسلامي أو إسرائيل وكلها أمور تكشف عن موقف واضح ومحدد وليس مجرد صدفة كتلك التي صنعت زعيم تشبه زعامته مبارك نفسه.. زعامة إستندت علي مواقف مسنودة سياسيا من الخارج قبل الداخل ولكنها بالتأكيد ليست زعامة تستند علي موقف وطني أو إنساني يمكن أن يعيش مع الزمن .. مهما طال!!!!
هشام لاشين
تم النشر بجريدة المشهد