الاثنين، 17 نوفمبر، 2008

سعيدة الشريف تكتب عن عين الشمس المحجوبة برداء الرقابة

تميزت البرمجة خلال أيام قرطاج السينمائية بالتنوع و الجودة و هذه من النقاط التي تحسب للإدارة المهرجان , رغم أنهم حاولوا أن يغطوا عين الشمس بزريبة حمراء.و لكن هل يمكن أن لا تترك الأقدام الحافية أو الأحذية المليئة بالوحل لهاته القارة الإفريقية أثارها على وبرها ؟ حسنا ليس هذا موضوعنا من بين الأفلام العربية المبرمجة في هاته الدورة ضمن المسابقة الرسمية أشرطة 35 مم شريط عين شمس للمخرج المصري الشاب إبراهيم البطوط. إبراهيم البطوط من مواليد مصر سنة 1963 متحصل على بكالوريوس في علم الفيزياء من الجامعة الأمريكية بمصر .عمل كمصور لحساب العديد من القنوات التلفزية العالمية منذ سنة 1987حيث رصد جملة من الحروب من بينها الحرب العراقية الأولى.دخل إلى عالم التصوير السينمائي سنة 2004 بشريطه ايفاكي . عين شمس شريط طويل وثائقئ –روائي تم تصويره في البداية بكاميرا دجيتل ثم تحصل على دعم من المغرب و تم تحويل الشريط إلى 35مم .عمل كامل طاقم الشريط مجانيا . يعتمد شريط عين شمس أسلوب سرد متميز جدا يجمع بين الحكي الذي يغوص بك في عالم الخرافة و الريبورتاج التلفزي الذي يوثق الحدث و يعيدك إلى الواقع . ينفتح الشريط بصوت الراوي الذي يقدم لنا الشخصيات . الشخصيات لا يجمع بينها إلا جهلها بمصيرها في هذا العالم الذي تحكمه الحروب و ما تخلفه من دمار و أمراض . الحكاية بسيطة .سائق تكسي له ابنة صغيرة تعاني من بعض الأعراض يعرضها على طبيبة . الطبيبة قامت ببحث عن أثار الإشعاعات على الأطفال العراقيين بعد حرب الخليج الأولى شمس فتاة صغيرة تحلم بزيارة القاهرة التي ترسم لها في خيالها أجمل الصور .لشمس صديق يرغب في الهجرة من الوطن و ذلك ليهرب من نير البطالة و الفقر الذي يدفع به لتعاطي المخدرات .... يكتشف أن شمس الفتاة الصغيرة التي تقطن في حي عين شمس الذي هو من أهم الأحياء في مصر تاريخيا. مريضة بسرطان الدم في مرحلة متقدمة . يعرف صديق شمس بأمر مرضها ,تقدم له أمها شريطا يصور وضع الأطفال العرا قين المرضى جراء الأسلحة الكيماوية التي استعملتها أمريكا في قصفها للعراق إبان حرب الخليج الأولى ,(يستعمل المخرج هنا صورا توثيقية) يتبنى هو و صديقه الذي يعمل في إصلاح اللاقطات الفضائية على نشر الشريط الوثائقي و يعمل على أن تبقى الطائرة الورقية التي تلعب بها شمس سنة كاملة بعد وفاتها ترفرف في السماء. هذا الشريط الذي يقدم لنا وجها أخر لمصر مغاير لما تقدمه السينما التجارية.هذا الشريط الذي حاول أن يلتقط ما يعيشه المواطن المصري المتمزق بين واقعه المعيشي المدقع و تجاذب السياسيين و تلاعبهم به و بأحلامه البسيطة المشروعة .هذا الشريط الذي حاول أن يقول أن مصير الإنسان اليوم , مصير مرتبط و متشابه و بهذا فقط يمكن أن نتحدث عن العولمة .عولمة الأمراض و المآسي المنجرة عن الحروب . كل هذا لم يشفع للابراهيم البطوط و لشريطه عين شمس لدى الرقابة المصرية . الرقابة التي رفضت منحه تأشيرة خروجه لدور العرض بمصر بتعلة أن سيناريو الفيلم لم يقدم للرقابة و لم تصادق عليه و لم تمنحه ترخيص للتصوير . و بالرغم من ذلك شارك عين شمس في العديد من التظاهرات السينمائية و تحصل على العديد من الجوائز من أهمها جائزة أحسن أول فيلم في مهرجان روتردام للأفلام العربية سنة 2008. و الثور الذهبي في مهرجان تورمينا 2008و تحصل خلال الدورة 22 من مهرجان أيام قرطاج السينمائية على تنويه من لجنة التحكيم . فهل يا ترى سيشفع ذلك لدى اللجنة ؟ قال الناقد عصام زكريا أن: "أزمة الفيلم الحقيقية أنه يعد السابقة الأولى في الإنتاج السينمائي بعيدا عن القنوات الشرعية وأن الرقابة تتعنت تجاهه لأنها لو قبلت تمريره فإنها ستفاجأ بسيل من الأفلام المشابهة التي يتم تصويرها بعيدا عن سلطتها وهذا ما ترفضه بالطبع لأنه يفقدها قيمتها التي أنشأت من أجلها". قيمتها التي أنشأت من أجلها ؟ أية قيمة يمكن أن تحمل لجان المراقبة و المنع هاته التي تقف في حلوق المبدعين و تقف أمام تطور و تحديث ثقافتنا و حضارتنا . و يحبذا لو يتدفق سيلا مشابها لأفلام ابراهيم البطوط .هاته الأفلام التي تحمل رؤية فكرية و جمالية بديلة للسائد الاستهلاكي. أعتقد أنه قد أن الأوان لفتح هذا الملف الذي أصبح راهنيا و خاصة أمام تنامي السينما المستقلة .هاته السينما الواعدة والتي حققت إلى حد ألان نجاحا جيدا و لنا في تونس مثال على ذلك شريط مطار حمام الأنف للمخرج الشاب سليم بالشيخ و الذي لم يمنح تأشيرة لنفس الأسباب التي قدمتها لجنة الرقابة في مصر ضد شريط عين شمس إن الحرية هي شرط الإبداع الأساسي .فهل من الممكن أن نتحرر من قيود البيروقراطية ومن اللجان ومن التأشيرات ؟و ليغمرنا بعد ذلك سيل الإبداع الحر و المستقل عله يغسل غبار الركود الذي نعاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق