الاثنين، 18 يناير، 2016

مكيوي: المناضل الثوري الذي رحل في شهر الثورة!


                   


بقلم- هشام لاشين
في المشهد الأخير من فيلم (القاهرة 30) نرى الشاب الثوري (علي طه) وهو يطوف بين الناس الخارجين من المسجد بعد صلاة الجمعة، ليرمي منشوراته في الهواء لتبدو وكأنها طيور الحمام الأبيض التي ترمز للسلام ومحاولة إيقاظ الهمم للنضال ضد الفساد وسيطرة منطق العبث وشيوع البؤس بين الناس.. كان هذا المشهد لعبد العزيز مكيوي الذي رحل اليوم عن عالمنا ويالاالمصادفة في شهر يناير الذي تولدت فيه واحدة من أعظم الثورات في مصر وهي ثورة 25 يناير، كافيا لكي يذكرنا بدوره بيوم الجمعة 28 من نفس الشهر، بل وكل أيام الجمع التالية ، ليثير بدوره حالة من اليقظة في مجتمع قال عنه (علي طه) أنه مجتمع الغني يقدر يشتري فيه كل حاجة حتي البني ادم ..مجتمع الكذب والفشخرة ، الذي يقدس ثقافة (ظز) التي أبدعها (محجوب عبد الدايم) والذي يوجد منه الألوف مصر ، وعشرات الالوف من (إحسان شحاتة) أو غادة الكاميليا التي سقطت أمام الفقر والتساهل أمام النفوذ والجشع للرفاهية والثراء ، فما أشبه الليلة بالبارحة .
اليوم رحل الشاب المثالي الذي كان يؤمن بمثل ومبادئ الاشتراكية ويدعو إلى الثورة على الرأسمالية وفساد الحكام والانحطاط الأخلاقي ، رحل في دار مسنين وحيدا كئيبا وغريبا ، حيث لم يتخيل ، الفنان المثقف عبد العزيز مكيوي الذي يتحدث اللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية بطلاقة، أن يجد نفسه مهملاً يعيش في الشارع في أعوامه الأخيرة بعد أن تركه أهله ومعارفه وأصدقاءه، يفترش الأرض ويعيش حياة المشردين في الشوارع، وينام علي أرصفة الإسكندرية ، قبل ان تنتشر صوره علي مواقع التواصل وتضطر نقابة الممثلين للقيام بدورها التي تخلت عنه طويلا فتأويه بدار المسنيين التي توفي بها عن عمر 82 عاما ، ليس بأمراض الشيخوخة فحسب ولابالأمراض النفسية التي عاناها فعلا بعد رحيل زوجته وإنما بسبب الإكتئاب والوحدة والإنعزال في مجتمع أدمن الخطيئة والظلم والإستبداد ن وكأن رحيله صرخة يتردد صداها علي مدار قرن إلا ربع تقريبا دون مجيب .

وعبد العزيز مكيوي المولود (29 يناير 1934) (اسمه بالكامل محمد عبد العزيز أحمد شحاتة) ، وقد حصل على بكالوريوس الفنون المسرحية عام 1954، و شارك في أكثر من عمل فني ومنهم مسلسل "أوراق مصرية" و من أبرز أعماله التلفزيونية دور الأُستاذ رؤوف في خُماسية "الساقية" للكاتب الكبير الراحل سعد الدين وهبة.
 كما قدم للسينما (القاهرة 30)، بالإضافة إلي (لا وقت للحب) ، (لا تطفئ الشمس ) وهي ثلاثية سينمائية هامة في تاريخ هذا الممثل الإستثنائي مع المخرج الكبير صلاح أبو سيف حيث جمعهما الإنتماء اليساري ولم يقدم مكيوي إلا الاعمال التي كانت تتفق مع قناعاته الثورية .
كان مكيوي الوجه الجديد في (لاتطفئ الشمس ) رائعة إحسان عبد القدوس  تمهيدا لدور أكبر في ( القاهرة 30) ظهوره خجولا ، يكاد لايتذكره أحد ، لكن بعدها بعامين قدمه أبو سيف في (لاوقت للحب) الذي يرصد حريق القاهرة 1952 والطريف أن يشارك فيه ضلع يساري كبير أيضا هو الأديب يوسف إدريس من خلال االمشاركة في السيناريو والقصة التي كتبها ضمن مجموعته (جمهورية فرحات) عقب خروجه من المعتقل ، بالإضافة لمشاركة صلاح جاهين كممثل ، لينتقل مكيوي من خانة الوجه الجديد إلي دور ثانوي لأحد المناضلين ولكنه يظل في خلفية الحكاية غير منظور، حتي يمنحه أبو سيف الفرصة الكاملة في القاهرة 30 الذي يجسد فيه بحماس وإنفعال طبيعي نموذج الثوري الطاهر المخدوع الذي يضحي بنفسه من أجل مجتمع يبدو أنه لم ولن يفهم معني التضحية أو الشرف من هؤلاء النبلاء الذين منحونا حياتهم لنعيش ، لكننا نصر أن نبقي خانعين قانعين برغيف عيش علي بطاقة تموينية لنعلن بعدها أن كل شيئ تمام ، ثم نعود لننام وضمائرنا مرتاحة .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق