السبت، 14 ديسمبر، 2013

لحظات صفاء



بقلم / هشام لاشين

كسبت الرهان الذي راهنته لنفسي الإسبوع الماضي حين طرحت سؤالا تقليديا حول إمكانية أن تعشق الاذن قبل العين أحيانا فحين سافرت لأخر الدنيا يحملني شوقا غامضا لذلك المجهول الرائع كان يراودني يقينا أن الجنوب لازال بخير.. إنه الصعيد بوابة الرجولة والاصالة والقيم والاعراف في كل مكان وليس مصر فقط.. واذكر أنني شاهدت منذ 10 سنوات تقريبا صعيدا يشبه صعيدنا المصري في قيمه وتمسكه بكل ماهو اصيل ونبيل في جنوب تونس.. وتحديدا في (فبلي) والفاء تساوي الجيم عندنا فكلاهما قبلي.. كان مهرجانا لجني التمور وشاركت في إعداد إحتفالية سينمائية هناك علي هامش فعاليات مهرجان جمع التمور السنوي وكان معي ذلك الصعيدي المدهش رحمه الله الدكتور مدكور ثابت الذي تم تكريمه هناك بالإضافة للمخرج المتميز محمد فاضل والفنانة الكبيرة فردوس عبد الحميد والناقد الكبير سيد سعيد والزميلة الصعيدية نورا خلف والكاتبة الرائعة وفاء عوض.. وكان قد سبق وسافرت للعاصمة التونسية قرطاج مرات عديدة ولم أكن أتصور أن الشمال بكل إنفتاحه وتحرره وربما تاثره الطبيعي بسمات الغرب الفرنسي علي نحو واضح يوازيه في الجنوب صعيدا يقدم في إفتتاحية مهرجان له أوبريتا يهاجم فيه الإستعمار الفرنسي ويفتخر بجذوره العربية والإسلامية.. وهناك لم أسمع كلمة واحدة بالفرنسية قد تتسلل من ثنايا حديثك مع أي شخص قد تتاح لك الفرصة لتجالسه هناك عكس الشمال التونسي الذي يختلط فيه الحوار مزيجا من العربية والفرنسية ..والمرأة في جنوب تونس هي إمرأة صعيدية متشددة في التقاليد لكنها مثقفة لدرجة مبهرة وهي تدافع عن هويتها وأخلاقها بإستماتة.. فليس هناك منطقة رمادية بين الأبيض أو الاسود ولاتوجد مساحة من المقايضة علي المبادئ لدرجة أننا سعينا لتزويج صديقنا الراحل المدهش الصعيدي مدكور ثابت من صعيدية تونسية كانت ترافقنا وتسهر معنا يوميا في ذلك الفندق المعجون بديكورات واكلات شرقية اصيلة.. كنا نداعبه وكان سعيدا بذلك.. وهناك أدركت أنه كما تتشابه معظم العواصم في العالم فإن قبلي أو فبلي هو نفسه ربما في كل العالم بما في ذلك إنجلترا أو حتي كازخستان.. ورغم ذلك فإن صعيد مصر شيئا أخر.. إنه ذلك الخليط من الجدية وخفة الظل.. الشهامة والجدعنة بلا حدود مع تسامح وطيبة متناهية تختلط بتشدد حين يتعلق الامر بأي تصرف يمس الكرامة.. والتدين في الصعيد قد يحمل تعصبا واضحا في ظاهر التصرفات لكن ذلك لايمنع من أن تقابل مثقفين علي مستوي عال جدا من العمق والفهم لجوهرالدين مثل الدكتور محمد كامل القراعنة الاستاذ بكلية العلوم بجامعة جنوب الوادي.. إنه حالة مدهشة من الثقافة غائرة العمق والتدين العميق الذي يدرك أن الدين الحقيقي معاملات وتعاملات قبل أن يكون طقوص وصلوات.. حصل علي الدكتوراة من سان بطرس برج وجاب بلاد العالم ليجمع بين التفتح والفكر المستنير وبين جذور صعيدية وعائلية عربية تنتشر في دول كثيرة من العالم العربي.. وحين دعاني لمنزله شعرت أنني في بيت عربي عريق لايزينه طراز الارابيسك الاصيل فقط من الخارج وإنما هو بيت يحمل كل روح الصعيد بكرمه وترحيبه وصدقه المدهش.. ورغم أنني لست غريبا عن الصعيد بحكم أن نصفي صعيدي من ناحية أمي رحمها الله إلا أن هذه الرحلة كشفت لي الكثير عن صعيد لم اذهب إليه منذ أكثر من ربع قرن.. إنها لحظات صفاء نادرة وبديعة جعلتني أندم كثيرا علي تأخري في هذه الزيارة كل هذا العمر لكن عزائي الان أن هناك من ستربطني بجذوري وعشقي الداخلي مرة أخري!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق