الأحد، 8 أبريل، 2012

صورة الرئيس في السينما المصرية بين الكذب والتجمل!





أحيانًا تكذب وأحيانًا تنافق وتتجمل، لكنها لا تقول أبدًا الحقيقة.. هكذا بدت صورة الرئيس المصري بدءًا من ثورة 1952 وحتى الأيام الأخيرة في عهد المخلوع على شاشة السينما المصرية!
في أعقاب ثورة يوليو 52 مباشرة اتجهت السينما المصرية بشكل محموم لتكريس إنجازات الثورة وأهمية العمل والصناعة والعدالة الاجتماعية كشعار ثوري مهم خلال هذه الحقبة، وكانت صورة الرئيس في خلفية هذا المشهد السينمائي على نحو غير مباشر أقرب لجيفارا الذي أعاد ضخ الحياة في شرايين الملايين عبر نضاله وشعاراته التي بثت الوعي ليس على مستوى كوبا أو الأرجنتين وحسب، وإنما على مستوى أمريكا اللاتينية والعالم.. كانت مقولات ومواقف الرئيس عبد الناصر مصدر إلهام لأفلام تناقش في خلفيتها بناء السد العالي أو سوء الحياة في عهد ما سُمِّي بالإقطاع ودور الثورة في ردِّ الاعتبار للفقراء والبسطاء، كذلك أهمية العمل والكفاح بشرف في أعمال سينمائية مختلفة، وإن لم تتطرق غالبية هذه الأفلام للحديث عن ناصر مباشرة، باستثناء غناء هدى سلطان لعبد الناصر في فيلم «بور سعيد» حيث كان الرئيس «الغائب الحاضر» الذي يتحدَّث عنه الفيلم ولا نراه.. كما قدَّمت شخصيته بشكل رمزي عبر صوره المعلقة كرمز للمرحلة الناصرية، ومشهد التنحي في فيلم "العصفور" ليوسف شاهين حتى جاء الحديث عن الرئيس وسيرته الذاتية بعد وفاة الرجل، وهو نفس ما حدث بعد وفاة الرئيس التالي أنور السادات. وفي الغالب سيحدث الأيام القادمة بعد خلع مبارك، وربما تنتظر السينما لما بعد وفاته لو ظلت ذيول مبارك تحكم كما يحدث الآن!
ناصر:
أثناء حكم الرئيس ناصر قامت الرقابة في السينما المصرية بتظليل صور الملوك والرؤساء السابقين بالظلال السوداء، وظل مقص الرقيب يطارد الملك فاروق والرئيس محمد نجيب خلال العهد الناصري.. وبعد وفاة الرئيس ناصر بفترة طويلة بدا الحديث عنه بتردد في كواليس أعمال سينمائية ظهرت فيها جنازة الرئيس أو موقفه من الإقطاع وأثَّر ذلك على المجتمع سلبًا وإيجابًا.. حتى جاء الحديث مباشرة عبر فيلمين حملا اسمه في العناوين وتحدثا عن سيرته الذاتية.. الأول المخرج السوري أنور قوادري، وهو فيلم "جمال عبد الناصر" وتناول حياة الزعيم منذ عام 1935 وهي فترة دراسته الثانوية وحتى وفاته عام 70 وجسَّد شخصية "ناصر" الفنان خالد الصاوي، ولم يحقق الفيلم نجاحًا يذكر، كما حوى السيناريو معلومات تاريخية غير دقيقة، بالإضافة لانحيازه الكامل للرئيس من دون موضوعية أو تقديم أيِّ سلبيات.. وتكرر ذلك في الفيلم الثاني "ناصر 56" الذي أخرجه محمد فاضل، وتناول الفيلم أزهى مراحل حياة ناصر، والتي كانت فيها شعبيته في قمتها حيث تم تأميم القناة.. ولم يتطرق الفيلم بدوره لتقييم موضوعي أو رصد محايد للشخصية، وهذا يعني أن الأفلام انحازت إلى الرئيس عبد الناصر ولم تتطرق للجوانب السلبية في حياته.
السادات:
وبعد اغتيال الرئيس السادات بفترة رفضت الرقابة أفلامًا من نوعية "اغتيال السادات"، والفيلم عن كتاب لـ "عادل حمودة" وإخراج منير راضي، وهو الفيلم الذي من المرجح أن يظهر للنور خلال الفترة القادمة بعد انكشاف الغمة.. في حين ظهرت شخصية الرئيس السادات في عملين لنادية الجندي: الأول يؤدي دوره أحمد عبد العزيز في فيلم "امرأة هزَّت عرش مصر" والثاني "الجاسوسة حكمت فهمي" الذي يتناول قصة حياة الراقصة حكمت التي جنّدت للتعامل مع الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية لخدمة مصر وعندما ينكشف أمرها ينقذها السادات الذي كان مازال ضابطًا صغيرًا.
وقد بدأت فكرة تقديم فيلم عن السادات أثناء حياته، واختار السادات شكري سرحان ليقوم بدوره في فيلم مأخوذ عن كتابه "البحث عن الذات"، ولكن لم يتحقق هذا المشروع إلا عام 2001 من خلال إصرار أحمد زكي على تقديم فيلم عن السادات في فيلم "أيام السادات" والذي أخرجه محمد خان.. وظهر هذا الفيلم بدوره منحازًا لشخصية السادات، واهتم أحمد زكي بالشكل الخارجي للشخصية، في حين لم يساعده السيناريو على ثبر أغوار الشخصية بشكل كافٍ.
المخلوع:
وجاء عهد مبارك، ونظرًا لطول المدة التي حكم فيها مصر، فقد حاولت بعض الأفلام الاقتراب بقدر من التملق أحيانًا، وبقدر آخر من التردد أحيانًا أخرى من شخصية الرئيس، حتى وصلت لحدِّ النفاق الواضح والتبرير الشيطاني لسوء فترة حكمه في فيلم "طباخ الرئيس" الذي يظهر فيه الرئيس باعتباره مغيبًا عن المشاكل الحقيقية للشعب بحكم الحاشية التي حوله، فبدا مثل الملاك الطاهر البريء المنزَّه عن الهوى.. ولكن قبلها ظهرت صورة مبارك في مكالمات هاتفية يقف فيها المسؤول على قدميه فورًا منتفضًا لينفِّذ أوامر الرئيس برفع الظلم عن الناس! بينما ظهر مبارك بـ"قَفَاه" وهو يُسلِّم على بطل الفيلم.. كما في فيلم "أمير الظلام" لعادل إمام، أو فيلم "جواز بقرار جمهوري" لهاني رمزي، وكان مجرد السماح بظهور "قفا" الرئيس على الشاشة يعني مشكلة رقابية ومفاوضات مع المخرج خالد يوسف انتهت بالموافقة! كما ظهر مبارك بأسلوب غير مباشر في أفلام عديدة بطريقة تركيز الكاميرا (زووم)، أو في (لقطة متوسطة) على صورته المعلَّقة على الجدار خلف المسؤول الحكومي، فيعلن بهذا أن الرئيس قد تدخل بأوامره لينهي كل المشكلات، مثل فيلم "كراكون في الشارع" أو "بطل من ورق"، أو عن طريق استعمال الخدع السينمائية مصافحًا إلهام شاهين في فيلم "موعد مع الرئيس"، أو متصلًا بالتليفون للاطلاع على سير الأحداث في "النوم في العسل"، و"الإرهاب والكباب"، أو مَلجًأ للتظلم عن طريق صورته المعلقة في المحكمة في فيلم "ألحقونا" إخراج على عبد الخالق، وبطولة نور الشريف.
وخلال العشر سنوات الأخيرة حاولت بعض الأفلام اللجوء للإسقاط لنقد الرئيس بصورة كوميدية مثل "ظاظا رئيس جمهورية" الذي ظهر فيه رئيس الجمهورية "عجوزًا" يحاول كسب الودّ الأمريكي للبقاء في الحكم، وفيلم "الديكتاتور" بطولة حسن حسني وخالد سرحان الذي كان فيه إسقاط على توريث الحكم للابن.. وهذا الفيلم الأخير تحديدًا تعرضه معظم الفضائيات حاليًّا بعد أن أعادت اكتشافه بعد خلع مبارك، فهو من أجرأ الأفلام التي أسقطت تفاصيلها على عهد الرئيس.. وكان السيناريست يوسف معاطي قد تقدَّم في أواخر عهد المخلوع بسيناريو فيلم "ابن الرئيس" ويدور حول حب ابن رئيس دولة غير محددة لابنة زعيم معارضة، لكنه رُفِض مرتين! وكان أحمد زكي يطمح في تقديم شخصية مبارك في فيلم سينمائي، كما تردد ترشيح نور الشريف لفيلم عن الضربة الجوية، ولكن الله أراد ألا يظهر للنور، وإلا كنا شاهدنا فاصلًا مفزعًا من النفاق، ما كان التاريخ سيغفره أبدًا للنجمين اللذين نعتز بهما كثيرًا.
هشام لاشين( تم النشر بجريدة المشهد)