السبت، 11 أبريل، 2009

فريد رمضان يكتب عن فيلم جنينة الأسماك

يحاول المخرج المصري المتميز يسري نصرالله في فيلمه الأخير "جنينة الأسماك" ان يقول لنا: هناك في بلد كبير، وهناك في ناس، وهناك في حواجز شاسعة بين الدولة والمجتمع، وهناك في فساد، وهناك في ليل، وفي الليل أسرار. ولكن السؤال البارز بعد مشاهدة هذا الشريط السينمائي، يأتي سؤالنا كمتفرجين: هل نجح يسري نصر الله في تقديم كل ذلك بشكل إبداعي وطرح عميق لكل هذه الحزمة من القضايا؟ الفيلم يتعمد على سرد أحداثة ليلا، حيث كل شيء يحدث تحت لحاف الظلام. العلاقات العاطفية، بوح الناس لمشاكلهم بحرية، عمليات الإجهاض السرية، الخوف من الحكومة ومن امريكا وإسرائيل، الخوف من مرض إنفلونزا الطيور، مرض الإيدز وغيرها. في الظلام تنفتح نافذة التلصص على الآخرين بحرية أكبر. يبدأ الفيلم بمشهد ليلي على مدينة القاهرة المزدحمة من خلال لقطة عامة، لاتقترب من حركة البشر، بل تتعمد خلق مسافة وحواجز بينها وبين ما يحدث على أرض الواقع، نسمع معها صوت اشخاص يتحدثون في برنامج إذاعي عنوانه "أسرار الليل"، والذي تعده وتقدمه المذيعة ليلى، قامت بالدور الفنانة هند صبري، وهي تجرجر المتحدثين للبوح، للكشف، لفضح الأسرار بكل أشكالها: الاجتماعي، مثل العلاقات السرية، العلاقات العاطفية، العلاقات الجنسية. وما يعتريها من خوف إنساني. خوف من سلطة الحكومة، سلطة المجتمع، سلطة الدين. الاقتصادي، وما يتربت عليها من مشاكل غلاء المعيشة، إنتشار مرض إنفلونزا الطيور، البحث عن لقمة العيش. وما يعتريها من خوف حاد لأيام قادمة ستكون بالتأكيد صعبة على المواطن المصري. السياسي، وما يترتب عليها من الخوف المعلن لسطوة الأخوان المسلمين على حركة المجتمع، هشاشة حركة "كفاية" السياسية في بلؤرة رؤية سياسية ناضجة في شعاراتها. وهكذا تشكل ليلى وبرنامجها الإذاعي "أسرار الليل" جوهر الفيلم، وسياقه الرئيسي، إلى جانب حكاية الدكتور يوسف، قام بالدور عمرو واكد، بين حريته الشخصية حيث يعمل كأخصائي تخدير في مستشفى عام في النهار، وعمله الآخر السري في عيادة تختص بعمليات الإجهاض والترقيع في الليل. إنه يستمتع وهو يمارس فعل التنصت على المرضى في لحظات الهلوسة بعد عمليات التخدير، ويتابع اللحظات الأخيرة لوالده الذي يرفض تناول حقن المورفين كي لا يهلوس أمام أبنه. وتجواله الليلي بين كوبري الليل متلصصا على مشاهد المحبين وهم في خلوتهم تحت ستار الظلمة، مع صديقه الذي يستمتع بسرد مغامراته مع نساء عن طريق الهاتف، حيث يضحى الصوت وسيلة جوهرية للبوح بكل شيء، طالما ان الآخر لا يرى محدثه، سواء في إتصالات المستمعين والمشاركة في برنامج "أسرار الليل" أو في النساء اللواتي يقمن بعلاقات غرامية عن طريق الهاتف مع صديق يوسف. الشخصيتان ليلي ويوسف لا تلتقيان إلا في نهاية الفيلم، ويوسف ليس سوى صوت يشارك بالتعليق في برنامج ليلى "أسرار الليل". تتعرف عليه في عيادة الأجهاض حين تقوم بمساعدة جارتها في عملية إجهاض سرية، وهناك تسمع صوته وهو يتحدث عن جنينة الأسماك، الذي سبق وان تحدث معها حول نفس الموضوع في برنامجها الإذاعي... والفيلم يطرح إشكالية كبيرة، تبدأ مع هرم السلطة، إلى العلاقات الإنسانية البسيطة، حيث الحواجز التي تكبر في المجتمع وتتحول إلى مرض عضوي يشل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الجميع يتحدث من خلف ستار، بالضبط مثل حركة الأسماك التي تعيش خلف أقفاص زجاجية، وحين تنكسر هذه الحواجز تنفلش هذه الأسماك مع ماء الحياة ليموت الجميع فهل أراد يسرى نصرالله وهو يكتب السيناريو مع ناصر عبدالرحمن، ان يقول أننا مجتمعات معرضه للموت، كوننا كائنات ليلية لا تجهر بما في قلبها إلا من وراء حاجز! وهل جاءت مشاهد تترات بداية الفيلم وهي تستعرض لنا مساكن السمك ذات الممرات العميقة التي تسمح بالسمك بالاختفاء خلف جدرانها والعيش في سرية بعيدة عن العيون، ويصبح هذا المجاز مساكن بشرية تحقق لهم هذه العزلة... ورغم أهمية هذا الخطاب وخطورته، إلا ان الفيلم أخفق في بلورة هذا الطرح بشكل عميق، واضحى كل هذا القول في سلة واسعة لا يحتمله الخط الدرامي الذي كان يسير بشكل متناسق وسلس لولا بعض الركود الذي سببته بعض مشاهد الفيلم التي تتضمن مونلوجات طويلة للممثلين الثانويين وهم يتحدثون بشكل تقريري ومباشر، مستخدما الأداء التلفزيوني، حيث تسرد الشخصيات حكايتها وواقعها المأزوم على المستوى الخاص والعام، والتي كان يراد منها تعميم خطاب الفيلم ليضحى كقضية عامة، رغم انه لا يحتاج إلى كل ذلك، إذ ان الواقع الذي تعيشه ليلى، ويعشيه يوسف يعطي هذه الدلالة الواضحة للفكرة، سواء على المستوى الفردي، أو المستوى الاجتماعي الذي يعيشانه مع من حولهما. مثل مشاهد عشيقة يوسف "مروه" وزميل ليلى "زكي" والممرض والمسيحية "مارغريت". وكذلك في إقحام قصة "الأميرة والعصفور" التي بدت خارج سياق العمل فنيا ودراميا، وإثرت بشكل كبير على مسار وإيقاع الفيلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق