الأربعاء، 14 مايو، 2008

هشام لاشين يكتب عن حكاية بحرينية

من الصعوبة بمكان ان نعتبر فيلم ( حكاية بحرينية) الذي اخرجه المبدع ( بسام الزوادي) مجرد حكاية قادمة من سينما خليجية وليدة تسعي لكي تحفر لنفسها مكانا وسط ظروف شديدة الصعوبة من الناحية التقنية .. وربما الاجتماعية حيث يتراجع الاهتمام بالسينما وتظل النظرة المحدودة لها في هذا المجتمع علي انها مجرد تسلية يقوم بها اناس يسعون للهو ولايحملون علي اكتافهم اي رسالة او قضية..ففيلم بسام اكبر من مجرد حكاية . واعمق من اي رؤية سطحية .. وهو اكثر من مجرد طرح لمجتمع بحريني في ظروف تاريخية محددة .. بل هو حكاية وطن كبير .. وسينما كسرت المألوف لتقفز بصاحبها وبالسينما الخليجية الي مرحلة مابعد الحداثة .. انه فيلم يتجاوز التجريب ويتجاوز مجتمعه .. ويرتفع فوق التقنيات ليصبح المفاجأة القادمة من الفن الخليجي وان جاءت متأخرة .

يبدأ فيلم (حكاية بحرينية) قبيل حرب يونيوعلى خلفية أغنيات (الله أكبر فوق كيد المعتدي) و(أصبح الآن عندي بندقية )(وصورة) التي تطلب الأم لطيفة سماعها عبرالاذاعة لتهديها لزعيم الامة جمال عبد الناصر وفي نفس الوقت تدافع هذه الام عن حق ابنتها في عدم الزواج من ابن عمها( يعقوب )الذي يريدها فقط في السرير.. لنبدأتدريجيا في اكتشاف ملامح مجتمع مقهور.. لكن للنساء فيه دورا اكثر ايجابية. وتتوازى قسوة الرجال مع تواكلهم فهم لا يفعلون شيئا.. فالشاب حمد

يكتفي بقراءة كتاب (رأس المال) لكارل ماركس ثم لاعزاء الا في اللجوء الى الخمر لينسى. وهناك آخر يرى الرئيس (عبد الناصر) هو كل حياته وماعداه لاشيءوتصلهم أخبار الحرب التي استولت اسرائيل فيهاعلى شبه جزيرة سيناء المصرية هضبة الجولان السورية ووكذلك بالاضافة للضفة الغربية القدس الشرقية ..هكذا تقع أحداث هذه الملحمة الدرامية خلال حرب 1967، وهي في الوقت ذاته صورة شخصية لعائلة من طبقة متوسطة واستعراض للثقة والآمال التي وضعها العرب في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تلك الفترة.

ويتناول الفيلم قصة ثلاث نساء فى مجتمع ما بعد هزيمة 1967 ورغبتهن في التعبير عن عاطفتهن فى مجتمع يرفض هذه الفكرة

كسر الحاجز:

وشخصيات الفيلم كما يقول بسام نفسه تسعى لكسر الحاجز الوحيد الذي يقف أمام الأم والابنتين وهو هنا الحب، فالأم تعاني قسوة الاب العامل البسيط الذي يعيش في عزلة عما يدور من حوله، وإحدى البنتين تحب شاباً منخرطاً في العمل السياسي لكنها لا تتمكن من تحقيق حلمها بالزواج منه لرفض الأب فتحرر نفسها بالتضحية بروحها، والثانية تحب شاباً مناضلاً أيضاً دخل بيت الأسرة وهو مصاب لكنها على العكس من أختها تقرر مصيرها رغم معارضة الأب وتتزوج من حبيبها في تعبير رمزي عن التمرد الاجتماعي والسياسي.

ويضم الفيلم شخصيات أخرى مثل يهودي بحريني يعيش صراعاً نفسياً بين انتمائه كمواطن بحريني ورغبته في الحفاظ على صداقاته، وبين انعكاسات الصراع السياسي عليه وعلى المحيطين به ونظرة الناس له. وهناك الناصري الذي يعشق جمال عبد الناصر، وهناك العمال في صراعهم من أجل حقوقهم العمالية، وحياتهم الإنسانية البسيطة، والتي تدفع بشخصية مثل (سلمان) إلى مواجهة الموت في إحدى المظاهرات العمالية. ويجسد (حمد) العامل البسيط العاشق الذي يخسر حبيبته مع سقوط أحلامهم.

بين كل هذا يبقى (خليفة) الصبي ذي الإثني عشر عاماً مراقباً لقسوة الواقع المحيط ويظل في حيرة بين فهم هديل الحمام أو نحيب اليمام، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأحداث الفيلم

مفردات سينمائية:

(الله.. الوطن.. طيران الخليج .. فاطمة المقهورة التي احرقت نفسها .. الستينات وناصر وصوره المجتمع البحريني ..تكرارهتافات المصريين في الشوارع في فترة المد الثوري علي غرار( ياحرية وينك وينك السجون بيني وبينك..) مظاهرات وقهر ووهم وسجن.. شباب محبط وبطالة وابو جمال).. هكذا هي مفردات هذه الملحمة السينمائية العذبة .. ان فاطمة هنا هي البحرين بل هي الوطن العربي كله انذاك حيث يصبح قهر الرجل للمرأة بل وقهر السلطة للرجل ذاته معادلا لكل انواع القهر بدءا من السياسي وانتهاءا بالاجتماعي والاقتصادي والانساني.. ثم مااروع هذه الموسيقي التصويرية والالوان التعبيرية في سياق صورة مدهشة.. ولنتأمل خطاب جمال عبد الناصر لحظة التنحي وانعكاس ذلك علي العرب ومثلهم البحرينيين .. انها اللحظة الفاصلة وانعكاسها الانساني والذي جسده المخرج مع مدير تصويره باضاءة مدهشة..هاهو الموت والحياة يجتمعان.. وهاهي الثورة الموازيةفي مجتمع ينبض بالحياة والهوية العربية (حروب الدنيا كلها ماتقدر تغير شعب البحرين) ..هكذا تقول المرأة لجارها ..بينما يرد عليها في يأس( والله خايف تغير كل شيئء).. انهاالنبرة اليائسة التي تلازم الحالة النفسية للابطال .. كل يلقي بمسئوليته علي الاخر لكن تظل المسئولية عن موت فاطمة هي الازمة التي تفجر المأساة وتلقي بظلالها علي القهر والتسلط الذكوري..حتي مشاهد العلاقة الحميمية من زوج فاطمة لها مصنوعة بمهارة وشياكة رائعة .. انه الاغتصاب بعينه فاذا لم يكن كذلك فماذا هو .. انه شكلا اخر للاستسلام والقهر والانهيار امام جبرت طاغية.. ثم هاهي شخصية سلمان الذي استشهد بدوره في نفس لحظة الهزيمة والتنحي..

احلام التحرر:

ولنتأمل ذلك الحمام وطفلين يطلقاه بحثا عن التحررلجيل ولد وسط هواء النكسة لينطلقا هما انفسهما بعدها في حرية وان اختار المخرج والمؤلف لحظة موت ناصر بالتوازي مع هذه اللحظة!! هاهي البحرين في عام 1970 ..الطفلين عند البحر يحلمان بينما يرقبا الحمام وهو يطير ..والفتيات في المنزل الاخر يحلمن .. يتحدثن عن الحب ..انه ايضا الحب المقهور المحاصر في احاديث البنات والروايات.. انهن يتحدثن عن انتحار فاطمة فداءا لهذا الحب ويطرحن فكرة التضحية كما يجب ان تكون في الحب الرومانتيكي اللاتي قرأن عنه.. وعلي الجانب الاخر نري (الريان) الكبير يصالح زوجته.. لكن الصراعات ستظل بعدها مستمرة وشديدة الواقعية.. فالحال لم يتغير كثيرا. .حتي الامور الشائكة ناقشها الفيلم بجرأة نادرة.. انه موضوع الشيعة والسنة وهروب فتاة سنية للزواج من حبيبها الشيعي لأن الاب سيرفض حتما..ان الفيلم يقدم تشريحا خصبا للمجتمع البحريني في فترة تاريخية ويلقي بظلاله علي الحاضرالذي نلمحه في البيوت والشوارع .. البحر.. الاطفال .. الاسرة .. الحب انه عام وفاة جمال عبد الناصر وسقوط الحلم ..المظاهرات في البحرين مثلها مثل كل العالم العربي( بالروح بالدم نفديك ياجمال) .. بينما يحملون صندوقا افتراضبا..جنازةمهيبة خلف صندوق فارغ.. وفي نفس المشهد وبنفس التوازي سوف نلمح ذات الرجل الاقرب لأبله او ضحية لرياح الانغلاق والذاتية بينما يهتف (بالروح بالدم نفديك ياطيرات الخليج ).. وينتهي الفيلم ....ليبقي السؤال .. هذه السينما المؤهلة للتفوق ..لماذا لاتستمر؟

ويعد هذا الفيلم ثالث الأفلام الروائية البحرينية والفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرج البحريني بسام الذوادي الذي يظهر عبر أعماله مرونة في الأسلوب وفي اختيار المواضيع مستعرضاً حسه الواقعي والرومانسي العميق.. لقد نجح بسام ان يحلق بسيناريو فريد رمضان وبممثلين ادارهم بمهارة مدهشة في ان يحلق بعيدا بسينما خليجية مختلفة ومدهشة وان كانت تحتاج الي استمرارية.. وهو مانتمني ان يحدث خلال السنوات القادمة مع رياح انفتاح فكري وسينمائي اراها تجتاح الخليج الان !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق