السبت، 21 يونيو، 2008

لمى طيارة .. حين ميسرة جميل رغم قبحة قاس رغم صدقه

" هذه هي أمريكا" من منا لا يذكر هذا الفيلم الذي أنتج منذ قرابة 20 عاما ، وكان يتحدث عن أمريكا والحياة و المجتمع فيها وكنا نقول حينها ، بالطبع هذه هي أمريكا ، وماذا تعتقدون ؟ مجموعة من الطامعين والطامحين ، وما هو أصل هذه البلد أنها بلا ماض أو حتى تاريخ . وبعد عشرين عاما أتى اليوم الذي نرى فيه سينمائيا بلدا عربيا مسلما تتدهور أحواله الاجتماعية وتتدنى أخلاقه وتختفي قيمه ويقل دينه ، وان ظهر الدين فيه فما هو إلا صورة مشوهه هدفها تعزيزفكرةالإرهاب المتخفي تحت عباءة الإسلام الذي جعل من الأخير سلاحا ضدنا وليس راية نفخر بالانتماء لها "حين ميسرة "فيلم مصري يشابه فيلم "هذه أمريكا "على الأقل من حيث المضمون ولكنه لم يقل بوضوح "هذه هي مصر "، لان ما نراه حقيقة لا ينطبق فقط على المجتمع المصري بل انه صورة عن مجتمعاتنا العربية عامة وان تفاوتت النسب في بعض الأمور وتقاربت في أخرى. وعنوان الفيلم يدل على مضمونه" حين ميسرة" أو كما جاءت ترجمتها إلى الانكليزية little better daysبما معناه باللهجة الدارجة لدينا( عندما يسهلها الله) هذه العبارة التي انقلب مفهومها لدينا في بعض الأحيان حتى أصبحت تطلق على الأمور التي يصعب أو سيصعب تحقيقها وتحتاج لقدرة إلهية .ويعتبر هذا الفيلم هو الثالث لناصر عبد الرحمن بعد "هي فوضى" و"الغابة" الذي يتطرق فيه لما يمكن تسميتة بالعشوائيات والفوضى والفقر والارهاب والى آخره من الظواهر التي باتت ظاهرة او سمة للعصر. ولكن كيف ستيسر الأمور وتحل ؟ وقد بدا الفيلم بالقاهرة 1990 وانتهى بالقاهرة 2007 والفقير زاد فقره والانحدار الأخلاقي زاد عريه وان ضحكت لنا الدنيا يومين فأنها ستأخذ منا ما تبقى من سعادتنا ، فأبن الشوارع ومهما ضحكت له الأيام سيبقى ابن شوارع بل انه وحسب جيناته الوراثية لن يستطيع إلا أن يعيش وان ينجب بالتتابع ابن شوارع أيضا ... وهذه الفئة التي خلقت في الظلام وتكاثرت فيه ستعيش وتحيا حياة عشوائية من غير قيم او اخلاقيات وحتما ستموت دون أن تترك أثرا أو تأثيرا ، فبلحظة حرجة لا يجد رجال الشرطة حلا إلا إزالتها. في حقيقة الأمر و بالرغم من أن فيلم "حين ميسرة" شبيه في جانب من جوانبه بغيره من الأفلام التي تتعرض إلى الإباحية وتبرز بكثافة العلاقات غير المشروعة والشذوذ والسرقة والإرهاب والتي تهدف على الاغلب الى فتح شهية المشاهد ومداعبة شباك التذاكر، ورغم تشابهه في طرح مشكلات متفشية في المجتمع ولكن من على السطح دون إيجاد تفسير لوجودها أو حل لها ، فأن الفيلم يختلف في مسألة تطرقه لموضوع قد يبدو خافيا عنا رغم تواجده إلا وهو العشوائيات التي بدت ظاهرة غير اعتيادية ليس فقط في بلد كمصر تجاوز عدد سكانها 70 مليون نسمة بل امتدت هذه الظاهرة إلى الوطن العربي برمته ، وحين نعلم أن أكثر من 15 مليون مصري يعيشون في هذه العشوائيات وان المقابر انقلبت إلى مساكن وان احد لم يحرك ساكنا تجاه هذه الظاهرة المتفشية والتي تعتبر من وجه نظر كاتبي الفيلم ظاهرة خصبة لتعزيز دور الإرهاب وتغذيته بالأفراد والناشطين ، عندها فقط أقول أن الفيلم مختلف و هام لأنه يضع يده على كارثة حقيقية يجب الانتباه لها والحد منها والعمل على حلها ...ولكني حقيقة احترت في ايجاد تفسير منطقي لربط أحداث الفيلم بالعراق ،المكان الذي يلجأ له العمال المصريون لتحسين اوضاعهم المادية ، فالفيلم جعل من هؤلاء العمال وعبر شخصية "رضا" التي يؤدي دورها خالد صالح الغائب الحاضر في ذاكرة أهل الحي مغذيا للارهاب واميرا لهم ،دون ان يتعرض لطبيعة هذه الجماعات وأسباب تشكلها وخطرها على المجتمع. أفلام كهذه لا تجعلنا كنقاد نتوقف عند تفصيلاتها السينمائية كفن سينمائي بحد ذاته لان مضمونها يستحوذنا بدرجة أكبر ويجبرنا على المضي بالكتابة عنه غاضين البصر عن الإبداع سواء في مجال الإخراج الفني أو في أي مجال من مجالات الصورة التي تميز فن السينما بشكل عام وفيلم "حين ميسرة" بشكل خاص ولا على الاداء المتميز لممثلي العمل ،لان النص وما يحمله من مضمون كما سبق وذكرت يصفعنا يؤلمنا ويجرحنا كثيرا في إنسانيتنا فلا نشعر بأي جمال أو أي امتداد فني للمشهد ويصبح العمل مجرد ورقة أو وريقات مكتوبة اقتلعت من الحياة لتصور على الشاشة .. وهنا أود الوقوف والتركيز على مهندس الديكور حامد حمدان الذي استطاع وببراعة تامة نقل هذا الحي العشوائي لنا كمشاهدين بصور أقبح من الواقع وأجمل منه فنيا ، الحي الذي تم إزالته نهائيا في المشهد الأخير من الفيلم كحل للازمة الإرهابية أثناء مطاردة الشرطة لها في إشارة واضحة لضحالة هذه الفئة من ساكني العشوائيات وعدم الاكتراث بها سواء من قبل الحكومة أو لدى أي جهة أخرى ، وقد استحق الديكوريست حامد حمدان جائزة أفضل ديكور في المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته 14بالاضافة لحصول كل من عمر عبد الجليل وهاله فاخر على جائزة أفضل ممثل وممثلة دور ثان وحصول مخرج الفيلم خالد يوسف على الجائزة الذهبية بالاضافة طبعا الى ان الفيلم برمته قد حصد الجائزة الكبرى في هذا المهرجان كلمة أخيرة لن ألوم ناصر عبد الرحمن أو خالد يوسف في لمسهم لهذه الفئة المنبوذة والمنسية في المجتمع والتي تشكل تعداداً كبيرا قدر بالملايين و يزداد يوما بعد يوم إلا أنني ألومهما على شيئين الأول هو عدم التركيز على ظاهرة واحدة وكشف جميع جوانبها واسبابها وثانيا عدم التعمق في الشخصيات فبدت القصة وكأنها مركبة أو لنقل مقحمة ، والدليل على هذا أننا كمشاهدين لم نحمل أي تعاطف مع شخصيات العمل قدر ما حمّلنا الفيلم إحساسا بالحقد والذل للظروف التي يعيشها سكان العشوائيات أو الفقراء والمعدمين بشكل عام ثم ان التطرق للجماعات الإرهابية لم يكن مطروحا في العمق، فقد جاءت دون خلفية ايديولوجية وظهرت بشكل انتهازي ، متخفي ببيع المخدرات وتزوير المال ، ترتكب الجرائم وتسفك الدماء دون ايجاد مبرركاف لها ، وكان المبرر الوحيد لوجودها بالفيلم فقط كوسيلة لربط ظاهرةالفقر بها . كما أن "ناهد"والتي تؤدي دورها سمية الخشاب لم نجد لها المبرر الكافي لهذا الانحراف واللامبالاة وحتى أن مشهد الشذوذ أراه مقحما في العمل ، وكأن كاتبا العمل أرادا أن يحمّلا شخصيات العمل كل مفاسد الأرض بحجة الفقر وعسر الحال وهو ليس بالمبرر الكاف، واستذكر هنا بالذات جملة لعادل إمام من مسرحية "شاهد ما شافش حاجة " ( لو كل واحد ح يعّزل عشان فوقية رقاصة الناس كلها ح تبات في الشارع ).... فضلا على أن كثرة المشاهد الإباحية دون وجود رقيب يحكمها لا تعتبر جرأة من قبل المخرج بل على العكس تماما لأنها حملت رسالة عكسية وأباحت ما هو محرم دينيا وعرفيا في مجتمع على الأقل ما زلنا نعتقد انه محكوم بالدين والقيود والأخلاق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق