السبت، 13 أكتوبر، 2012

ابو ظبي السينمائي (1)





بقلم/ هشام لاشين  
لم يكن مهرجان ابو ظبي السينمائي الذي عقدت دورته الإسبوع الماضي سوي جزءا هاما من الربيع الذي تعيشه الإمارات حاليا وهو كما سبق وكتبت سلسلة مقالات (ربيعا عربيا) مختلفا وحقيقيا اشرق في الخليج بفعل الدأب والجهد والشرف والإصرار والعمل المتواصل الذي هو عبادة علي مدار أكثر من ثلاثين عاما وهي نفس السنوات الذي خفتت فيه كل الاضواء وإنهارت فيها كل الصروح وساد التراجع والخمول والسلب والنهب وإستحلال الحرام في مصرنا المسكينة بفعل عصابات المافيا الحاكمة .. ولاأدري لماذا ذكرني فيلم الإفتتاح هنا بأحوال مصر علي مدار العقود السابقة.. الفيلم بعنوان (المراجحة) أو المراهنة وهو لايركز علي مجرد  رجل (ريتشارد جير) يقضى حياته طوال الوقت وسط المراهنات والمقايضات فى وول استريت ليتحول الخداع والغش إلي منطق حياة شاملة تنعكس علي كافة معاملاته وإنما يعكس الفيلم ذلك الوجه الخارجي لعالم يظهر بطريقة تخالف حقيقته.. إنه عالم الإزدواجية القاتلة الذي لايعبأ إلا بمصالحه ولو علي جثث الأخرين في حين أن ضحاياه يكونون في الغالب من أقرب الناس إليه كما حدث لإبنته التي صدمت حين عرفت أن اباها لم يتواني لحظة عن الغش والخداع ليحقق أهدافه.. لقد عاشت الفتاة البريئة نصف عمرها في وهم كبير أفاقت عليه في لحظة مزلزلة لاتختلف كثيرا عن ثورة 25 يناير في مصر لتكتشف الحقيقة.. وتبدو ميزة هذا الفيلم الذي أنتجه سعودي هو محمد التركي في أنه يتجاوز الفكرة التقليدية لصراعات عالم المال التي لاترحم كما في فيلم (وول ستريت) وغيره منذ سنوات طويلة ليقدم لنا دهاليز إنسانية وعلاقات مركبة وعنصرية كامنة وفساد مرعب في بلد مثل أمريكا.. كما يحوي الفيلم أكثر من مشهد تبلغ فيه مباراة الحوار ذروتها كما في ذلك المشهد الذي يحاور فيه ريتشارد جير الشاب الأسود الوحيد الذي إستعان به لينقذه(نيت باركر) أو كما في مشهد حواره الأخير مع زوجته (سوزان سارندون) الذي يكشف بدوره عن إبتزاز مثير داخل اسرة واحدة في مجتمع مادي مرعب.. وفي المشهد الأخير سوف نري ذلك التلخيص المدهش لعالم كامل يقدم نفسه بإعتباره إنسانيا ورحيما يتبرع للعمل الخيري وسط التصفيق المدوي المتواصل في حين يعرف المشاهد مدي زيف هذا القناع وحقيقة هؤلاء الذين يبتسمون ويبدوا أنهم أوفياء ورحماء بينما هم صناع الكوارث الحقيقية.. أنه أيضا مشهد رائع تذكرت به أحوالنا وإزدواجيتنا وخطورة مراهناتنا علي المستقبل بالكامل!!
أما فيلم (بعد الموقعة) ليسري نصر الله والذي عرض هنا خارج المسابقة الرسمية بعد إكتشاف سبق عرضه في دور العرض وهو مايتنافي مع قواعد المسابقة فقد أثار بدوره الجدل حول مدي قيام الفيلم بالدفاع عن الذين قاموا بموقعة الجمل خصوصا وأن الصدفة قد أتاحت عرض الفيلم في نفس اليوم الذي صدرت فيه أحكام البراءة في هذه الموقعة وقد إتهم البعض المخرج في الندوة التي أعقبت عرض الفيلم بقصر الإمارات بأنه جعل من الفتاة التي تعمل لصالح شركة دعاية وإعلان بمساعدة نوعية محددة من المثقفين الذين حولها بأنهم سبب تنوير هذا الفتي المتورط في الموقعة وأنهم كانوا يفعلون ذلك في ميدان التحرير وكأنهم الفصيل الوحيد الذي قام بالثورة ولم ينجح يسري نصر الله في الدفاع عن موقفه سوي بمجرد النفي كما حاول أن يحلل فيلمه وهي كارثة أن تحاول أن تشرح فيلمك بعد الإنتهاء من عرضه لأن ذلك يكشف عن خلل جسيم في العمل الفني أو محاولة لنفي معان وصلت بالفعل عبر السيناريو والإخراج.. ومن الافلام المدهشة التي عرضها المهرجان فيلما هنديا هو العمل الأول لمخرجه بعنوان (ملك مومباي) وهو يسرد في قالب شاعري لايخلو من قتامة عالم طفلين في مجتمع فقير وساحق أنهم أقرب لأطفال الشوارع وهي نوعية من الأعمال لم نعد نراها كثيرا في المهرجانات رغم شيوعها في فترة سابقة وهي بدورها تكشف الوجه القبيح لعالم يتسيد فيه الأغنياء وينهار فيه الفقراء الجياع بينما تعلن فيه الدول بصفاقة وإزدواجية فاضحة إنسانيتها الكاذبة وتشدقها بالحرية والعدل والمساواة! 
تم النشر بجريدة الخميس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق