الجمعة، 3 فبراير، 2017

محمد القليوبي.. رباعية التمرد وكسر التابوهات




هشام لاشين
في 1993 شهدت الشاشة الكبيرة عرض الفيلم اﻷول للمخرج محمد كامل القليوبي، والذي حمل اسم " ثلاثة على الطريق" ليعلن بقوة عن مخرج مختلف عن التيار السائد في هذه الفترة ، حيث كان الطابع الإنساني المغلف بوجهة نظر سياسية وفلسفية طاغياعلي إسلوب المخرج الجديد ، مع مسحة يسارية كانت تشكل جانبا كبيرا من إنتماءه الايدلوجي ، وكان هذا العمل واحدا من ثلاثية هامة في حياة المخرج المبدع حيث يمكن وضع ها العمل مع (البحر بيضحك ليه) و(خريف أدم) لنرك أننا أمام حالة إبداعية خاصة جدا ، ويمكن إضافة فيلم (إتفرج ياسلام) للقائمة بإعتباره جزء من حالة عامة موجودة في هذه الأفلام .

في الفيلم الاول سوف نري القليوبي يقدم لنا رحلة 3 اشخاص سائق لوري وطفل يحاول الهرب من قسوة زوجة أبيه، وسيدة، تريد الذهاب الى صديقة لها، وفي خلال رحلتهم الثلاثة، يتعرضون لبعض الأزمات من خلال القبض عليهم واتهامهم بتوزيع منشورات، والفيلم يلمس معاناة مشتركة لطوائف وشرائح مختلفة من المجتمع في إطار بانورامي رائع كما يقدم جانبا من العلاقة بين المسلم والمسيحي في هذه الفترة وهو ماحاربته الرقابة لفترة وظل مبتورا لسنوات طويلة حتي تم عرضه كاملا في 25 يناير 2012 .
أما فيلم " البحر بيضحك ليه" فهو تجربة  أكثر نضوجًا وإنسانية،وتمتزج فيها الفلسفة بالفانتنازيا والفرجة الشعبية من خلال  حيث "حسين" الموظف المنضبط المكبوت على المستوى الإنساني والذي يراه الجميع مجنونًا لخروجه عن النمط التقليدي، فهو المخلص النزيه المسالم القنوع، الذي يجد نفسه مضطرا للتمرد علي هذا القالب فيهجر هذا العالم الذي يقدس الروتين بما فيه زوجته القاسية المتبلدة ويقرر ان يعيش بحرية فيتعرف علي فتاة من عالم الموالد الشعبية ، كل ذلك وهو يتابع الأحداث العنيفة التي كانت تدور في البوسنة والهرسك على الشاشة.
ووتزايد رغبة حسين الثورية في التمرد علي الواقع الإجتماعي مع إعتقاله من خلال شقيق زوجته وتلفيق التهم السياسية له  ، ويقرر توجيه الصفعة للجميع خصوصا مع دخول سيد النص لعالمه هو الأخر ليبدأ رحلة صعلكة حتي الثمالة ، وليصبح هذا الفهلوي النص دليله ومرشده في العالم الليلي، وفي لحظة فاصلة يشعر بطلنا انه يولد من جديد بعد ان يتزوج"نعيمة ولعة" وينضم لأصدقاءه من العالم السفلي الجديد في إشارة فلسفية للتمرد والتحليق بعيدا حتي لو إضطر الإنسان للبحث عن حريته في هذا العالم المشبع بالصعلكة والمجون .
ولغة الصورة في هذا الفيلم كما في باقي أفلام القليوبي الاربعة مهمة ولها دلالتها مثل مشهد المنتقبات الخارجات من البحر في إشارة لمحاولة البعض بالاستمتاع بحياتهم في ظل التشدد المحيط .
أما فيلم (إتفرج ياسلام)  فيضيف به القليوبي بعدا وطنيا وموقفا أخلاقيا وسياسيا يتناغم مع قناعاته حيث نتابع ثلاثة أصدقاء من خريجى الجامعة العاطلين ، ينجح احدهم فى الالتحاق بالعمل فى قرية سياحية بسيناء، ويعجز الثاني عن الارتباط بمحبوبته وجارته ، فيضطر اللجوء إلى صديقه لمعاونته للعمل فى القرية، حيث ينجح فى إنقاذ سائحة أمريكية عجوز من الموت بأزمة صحية طارئة، مما يرشحه للعمل فى القرية، وعندما تعود السائحة الأمريكية لبلدها تموت، ويتضح أنها يهودية الديانة، ترسل وصيتها بفاكس لمنحه ثلث التركة وقدرها 151 مليون دولار بشرط قبوله الإشراف على تنفيذ الوصية لصالح جهات إسرائيلية، ورغم فقره وضغوط مدير القرية السياحية وابنته إلا أنه يرفض الثروة حتى لا تستفيد إسرائيل.
ورغم ان هذا الفيلم يدور في قالب أقرب للكوميديا إلا ان القليوبي يرسل من خلاله رسالته وموقفه من الاحداث وخصوصا من قضية بهذا الحجم .
هنا نصل لذروة أعمال القليوبي من حيث الحبكة والإخراج وهو فيلم (خريف أدم) الذي رشح للأوسكار بالفعل ولعب بطولته هشام عبد الحميد في واحد من اروع ادواره علي الإطلاق حيث نري قمة نضوج المخرج فنيا وفلسفيا وإجتماعيا .
تدور أحداث الفيلم، حول رجل يكرث سنوات عمره للثأر، من قتلة ابنه يوم زفافه، وتدور أحداث الفيلم ما بين 1948إلى 1968، وحول المتغيرات التي تطرأ بين هذه الفترة، وفكرة الثأر التي لا تموت بمرور السنين، وهو مرثية تقطر شجنا وشاعرية حول الوطن والأحلام الصغيرة والإحباطات المتتالية ، بل هو فيلم العجز العربي المختزل في مجموعة من الحكايات الصغيرة التي إتخذت الصعيد أرضية خصبة للحديث بإستفاضة ، وكل ذلك من خلال رواية للأديب محمد البساطي والسيناريست علاء عزام حيث يقول القليوبي من خلال فيلمه أن الذين يعيشون في الماضي لابد ان ينهزموا في الحاضر وان تلك هي مشكلة العقلية العربية .
ورغم ان الفيلم يقدم قصة ثأر تبدو تقليدية في الصعيد إلا انه ينطلق منها لحكايات أخري عن ثأر أكبر وهزيمة أعمق من 67 بينما يكشف مدي العجز علي مستويات عديدة في حياتنا لتبقي النهاية مفتوحة مع طلقات رصاص لانري صاحبها لكنها تنبأ بما يمكن ان يكرسه مثل هذ ا العجز الطاغي .
وفي هذه الأفلام عموما سوف يكشف لنا القليوبي عن مدرسته الخاصة (ان جاز التعبير) في الفن وفي السياسة والمجتمع والتي كرسها برئاسته لمؤسسة "نون" للثقافة والفنون، التي تنظم مهرجان شرم الشيخ السينمائي للسينما المصرية والأوروبية ، والذي قرر ان يهديه دورته الشهر القادم ، حيث نري إستخدام الصورة والكلمة في التعبير عن وجهة نظره في الاحداث ، ويكشف عن إنحياز للإنسان في كل زمان ومكان ، وكيف كان إنشغاله بوحدة المصير بين هذا الإنسان وواقعه المهزوم والمحاصر بالقهر علي مستويات أمنية وسياسية مختلفة ناهيل عن حصار التقاليد التي حاول أن يثقبها القليوبي ليلقي حجرا ، ويعلن التمرد كما فعل بطله إتفرج ياسلام ، فالحل من وجهة نظره في كسر التابوه وعدم الإستسلام للمصير الذي يدفع المجتمع أبطاله نحوه .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق